القصة القصيرة

وقتلت أمي

لون الشمس يتهادى كعروس تسير إلى مخدعها بعد أن غلبها النعاس…كانت تسير ببطء غريب كأنها أم حنون تخاف أن تزعج أبناءها ، أو تقلق راحتهم فتنساب بهدوء وهي تسدل عليم سترا أسود رقيقا يغطي خيباتهم اليومية … كنت وحدي من تمرد على ستار سوادها ، وخرج من دائرتها كأنني ابن عاق تمرد على أوامر أمه التي تبدو متسلطة أحيانا ، ورحت أقطع الشارع الطويل …
كانت المدينة خالية إلا من بعض الأرجل الآدمية التي ما لبثت أن انقطعت ..و وجدت نفسي أمارس جنون الهروب إلى الأمام … بل إلى الفراغ … وحيدا – وسط مدينة تغفو بعينين مفتوحتين ، أدقق النظر في زواياها التي تأخذ لون السواد بسرعة وكأنه أساسي في رسم أحلام البشر … كنت أدرك أنها الساعة التي يرتفع فيها نواح البائسين وتتحرك أنات المعدومين بلا قيد ولا حصار ، فالليل واحة حب للمنكسرين ، وفسحة أمل للضعفاء الذين كتم أنفاسهم الأقوياء …. إنها ساعة الفرج المنشود في عالم يمارس القفز على رقابهم …
وفجأة … أبصرت ضوء خافتا ينبعث من فتحة صغيرة ، وكأنه بريق أمل يترقرق في عيني ليل دامس … أسرعت إليه … تسللت إلى خيوطه …ودخلت …
رأيته يجلس في ركن منعزل ، يحضن رأسه بين ركبتيه ، عاقدا يديه كأنما يرفض – بإصرار – رؤية كل ما له صلة بهذا العالم الذي يخرج منه منبوذا …اقتربت منه وسألته :
– ما بك سيدي ؟
لم يبد عليه أنه سمعني ، فأعدت السؤال …. رفع عينيه بيأس فاضح ، ونظر إلي ، ثم أعاد رأسه لتحضنه ركبتاه .
تقدمت منه بخطوات أوسع ، فإذا به يصرخ كالمجنون :
– لا أريد أن أرى أحدا … أعدموني حتى لا أرى شيئا من هذا العالم …أسرعوا بإعدامي فإني أضيق بالحياة ومن حولي …
ثم استطرد :
– لا … الإعدام قليل في جريمتي …قطع رأسي يريحني ، وأنا لا أريد أن أستريح …أريد أن يتجدد موتي كل يوم حتى أذوق عذابا أكبر…
جلست إلى جانبه … مسحت على كتفه برفق وأنا اهمس له علني أعيد إليه بعض الدفء وأهزم هذا البرد الذي جعله يرتجف كطائر مذبوح :
– إن الإعدام هو أقسى عقوبة ينالها المرء ، ولا توجد جريمة أكبر من أن يُستصغر فيها الإعدام !!
لكنه راح يهذي كالمجنون :
– قتلتها … وهبتني الحياة فمنحتها موتا بائسا … ظلت تغزل من دمعها رداء يمنع عني كل حزن ، لكني طعنتها في لحظة طيش مجنون … قتلتها…
وراح يبكي كطفل صغير تقطعت به السبل … مسحت على رأسه وأسندته إلى كتفي ، ولما شعرت أن دموعه لطفت من ثورة غضبه ، وروضت هيجانه سألته :
– قتلت من ؟!!
رد بصوت منطفئ :
– أمي ….!!!
أبعدته عني كأني ألفظ حشرة ضارة حطت على كتفي ، بينما تابع كلامه غير مبال بقسوتي المفاجئة عليه : ” كنت وحيد والدي ، وكانت السعادة ترفرف بأجنحة من ذهب فوق بيتنا الصغير ، فقد وفر لي أبي كل ما كنت أحلم به في سري ، وأعطتني أمي من ينبوع حنانها وحبها ما أغناني عن حب الناس جميعا … كنت أحس أنني وأبي وأمي نكوّن عالما جميلا لا نحتاج فيه لأحد … لكن سماء الأيام تبدلت وتغيرت ملامحها لينكشف وجهها المظلم ، ووجدنا أن الرياح تجري بما لا تشتهي سفننا …
ووصلت بنا السفينة إلى محطة مهزومة لا تحمل إلا أنا وأمي … فقد مات أبي … مات في حادث مؤلم ،حيث كان يسوق سيارته بسرعة مجنونة ، فاصطدم بشاحنة كبيرة حولته وسيارة إلى كومة رماد … كانت الصدمة قوية على أمي ، جعلتها تدخل مستشفى الأمراض النفسية مدة شهرين ، لتخرج بعدها مهزومة … كانت تضمني إلى صدرها وتبكي – بمرارة – نفسها ووحدتها وحظها المتعثر، وحياتها التي أصبحت تترصدها علامات استفهام كثيرة وبارزة … ثم تنظر في عيني وتبكيني … تبكي يتمي وشقائي وضعفي …لكن جدي أنقذها من ضياعها الذي كانت تغرق فيه وزوّجها برجل آخر … وانتقلت معها إلى البيت الجديد ، ومن هنا بدأت خيوط المأساة تنسج بداية النهاية ، فقد أصبحت أحس أن أمي لم تعد لي وحدي ، وان ينبوعها الدافئ الذي كنت أغرف منه الحب والأمان لم يعد ملكي، بل يشاركني فيه رجل آخر يدخل معها الغرفة وتغيب عني ساعات طويلة لتتركني لوحدة مدمرة …
وتعقدت المأساة عندما أنجبت أمي طفلا من هذا الرجل ،وأصبح له – هو الآخر- مهد صغير إلى جانب سريرها وهذا الرجل الغريب … كنت وحدي أنام في غرفة باردة ، بينما كان ثلاثتهم ينعمون بدفء أنفاسهم … كرهت تلك الغرفة التي كانت تبدو لي أكثر دفئا من غرفتي … كرهت ذاك الرجل الغريب وطفله الذي أتى … وكرهت أمي لأنها كانت تمنعني حتى من دخول عرفتها كى لا أوقظ صغيرها … فتيقنت أن وجودي في البيت لم يعد مرغوبا فيه وأنني أعيش على هامش حياتهم … حاولت أمي أن تقنعني أن مكانتي في قلبها لم تتغير ، وبذلت كل ما في وسعها لتضمن لي الراحة وتثبت لي أن حبها لي لم يتبدل ، ولكنها الظروف هي التي تغيرت ، لكنني لم أفهم … بل لم أحاول أن أفهم …
وخرجت إلى الشارع أبحث عن بديل … عن ملهى يؤنس وحدتي ، فوجدته فاتحا ذراعيه يضمني إلى صدره ويستقبلني بحرارة ، فعشت بين أحضانه – مع مجموعة من أصدقائي- الذين كانوا يلقنوني دروسا في النسيان ، في الهروب وفي كيفية إقصائي من خريطة الألم، فقدموا لي الخمر … شربتها في اليوم الأول ، فإذا هي مرة كريهة لكنها رحلت بي إلى عالم اللا مبالاة والنسيان … شربتها في اليوم الثاني فإذا بي أستسيغ مذاقها ويذوب التنافر الذي بيني وبينها ، ولم يمض أسبوع واحد حتى وجدت نفسي مدمنا عليها ولا أستطيع الاستغناء عنها …. – وأنا في حالة سكر – سمعت أن زوج أمي مات ، لم أسأل عن سبب موته … المهم أنه انتقل إلى العالم الآخر وأراح أمي من جنونه .
وأرادت أمي أن تصلح ما فسد وترقّع ما تمزق من أخلاقي ، وتقنعني أن الدراسة هي مستقبلي الوحيد … لكنها فشلت ، لأجد نفسي مطرودا من المدرسة بعد غيا باتي المتكررة وعزوفي عن الدراسة وإثارة الشغب بين التلاميذ والأساتذة ، وأصبحت أعود إلى البيت مخمورا لا أدري ماذا أفعل أو ما أقول ….”
ثم تحول كلامه نشيجا وحشرجة واستطرد : ” لا أريد أن أتذكر تلك الليلة المشئومة ، لكنها تطاردني في كل وقت وفي كل مكان أحل به … كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وأنا أعود إلى البيت غائبا عن الوعي وفي يدي زجاجة خمر ، فوجدت أمي جالسة في انتظار ابن لا تدري متى يعود … عندما رأتني قالت بعفوية :
– هل عدت ؟
أجبتها بخشونة :
– ألا تريدين لي أن أعود ؟!!
اقتربت مني فعرفت أني مخمور… صرخت غاضبة :
– ألا تريد أن تقلع عن هذه العادة السيئة !!
ثم نظرت إلى يدي فوجدتني أمسك الزجاجة الملعونة فصفعتني وهي تصرخ بقسوة لم أعهدها فيها :
– ملعون أنت … وملعونة زجاجة الخمر التي تحملها إلى بيتي … لست ولدي … لا أحب أن يكون لي ولد بهذا الوجه البشع …
غشيني ضباب الغضب وفقدت ما تبقى من عقلي فلم أدر إلا وأنا أهوي على رأسها بالزجاجة التي في يدي ، فتدفق الدم من رأسها وسالت الخمر الخبيثة على وجهها الطاهر ، ورأيتها تفتح عينيها وتحضنني بنظرة وكأنها تقول لي: “إني أسامحك”.

السابق
علامات الساعة
التالي
قلم خطوبة

اترك تعليقاً