القصة القصيرة

ولد (مو)

كهل ترملت أمه وهو في المهد،كرست حياتها له وجعلتها وقفا عليه،حافظت على متجر أبيه الهالك حتى كبر فسلمته إياه.كانت له في نفس الوقت أما ومعلمة. علمته أصول التجارة وإدارة رأس المال فنفذت الوصية بأمانة واخلاص.عرفانا لها بالجميل عزف عن الزواج وأدار ظهره للنساء والحياة العاطفية.لم يسبق أن شد إنتباهه جمال فتاة ولاحركت مشاعره الخاملة قوام امراة حسناء.لكن شئ ما استفاق بداخله من سبات عميق خفق له قلبه بشدة،علت محياه حمرة وأحس بحرارة في أذنيه وبرودة في يديه،كان ذلك لما التقى بجارته الجديدة أول مرة عند باب العمارة.تسمر في مكانه ينظر إليها تتهادى في مشيتها وتتمايل كبطة وديعة،مسح جغرافية جسدها بعناية،ومن حيث لا يدري اقتفى خطواتها تصعد سلم العمارة درجا درجا.
كح ..!
بصبص.. !
حاول عبثا لفت إنتباهها.دخلت الشقة واوصدت الباب خلفها غير آبهة به. لحظتئد استعاد رشده ولم يستوعب ما حدث معه وكيف انجدب إليها كماينجدب ذكرالوحيش للأنثى في البراري في موسم التزاوج.عاد أدراجه،دخل حجرته وأغلقها عليه بإحكام.لم يتوقع يوما يجد فيه نفسه في مثل هذا الموقف المحرج،ولم يجد مبررا لسلوكه الطائش واللامسؤول. بينما هو يحدث نفسه عله يجد مصوغات لفعلته وقع بصره على المرآة،نظر إليها بامعان كانه يتفقد حاله لأول مرة في حياته.بدت له تجاعيد تعلو تقاسيم وجهه،خصلات شعره تخضبت بالشيب , جسم ترهل وبطن امتلأ شحما.زفر زفرة عميقة مشوبة بالحسرة والأسى على ما فاته من زهرة الشباب.تبدت له حياته كئيبة راكدة كماء المستنقع وتكشف له إنسان بداخله تواق للحياة. شعربغبن شديد وفراغ عاطفي قاتل قوض أنفاسه . تولدت لديه قناعة أن هناك أشياء أخرى في الوجود أحق أن تحيا وتعاش.لحظة ونادته أمه مسائلة:
_”لماذا عدت..؟”
_” لم لا لم تفتح المتجر؟ “مستطردة
_” لا شيء أمي .عدت لأخذ بعض الأغراض ”
بعد تفكير عميق اتخذ قرارا حاسما غير مجرى حياته كلها.أخذ له اجازة مفتوحة، اقتنى ملابس جديدة وبدلة رياضية كاملة وقارورات عطر من النوع الممتاز. لاحظت الأم التغيير المفاجئ الذي طرأ على سلوك وحيدها.سرها حاله وفرحت له كثيرا.اغتنمتها فرصة لتعرض عليه من جديد الزواج بابنة عمته مذكرة إياه بجمالها وحذاقتها.أما هو كان له رايا آخر. لم يبد يوما إعجابه بها،كان كلما زارعمته وجدها غير مهتمة بزينتها مشعتة الشعر منغمسة على الدوام في أعباء المنزل تفان وإخلاص.الفتاة الوحيدة التي أغرم بها هي تلك الجارة (البطة ).أحبها من النظرة الأولى ويريدها زوجة له على سنة الله ورسوله.كثيرة هي المرات التي تمترس عند باب العمارة ينتظر قدومها لكنه لم يصادفها مرة ثانية بعد.غابت فترة طويلة فأمسى كئيبا عليلا.ملكت عقله ووجدانه. في بحر هواها يهيم كل يوم وليلة.ذات مساء بينما يتجول في المدينة يجدها في تبرج وزينة تحدث غرباء على قارعة الطريق.ظل يرقبها وقلبه يتمزق إربا إربا. توقفت سيارة صعدتها ثم اختفت عن الأنظار.وقف مشدوها لا يلوي على شئ. كاد قلبه ينفطر كمدا،تاوه في صمت،دمه يغلي و بداخله بركان يكاد ينفجر من الغضب.لعن الحب وسيرة الحب.أحب كمراهق،كره كمراهق.حب أحادي الجانب، سرعان ما تبددت غيومه وسرعان ما انهارت قصور أحلامه الوهمية.راجع نفسه،حكم عقله،تذكر نصيحة أمه الغالية. تراءت له ربة البيت المعتكفة.تهلل وجهه واستبشر خيرا.

السابق
حاوٍ
التالي
الغريب

اترك تعليقاً