القصة القصيرة

ولهَوْل الفاجِعَة ضَاعَ عِطرُ رَمَادِهَا

1- لَمْ تكُن تعْلمُ أنَّهَا تُحَضِّرُ نَفْسَهَا لِرحْلةٍ مُؤْلمَةٍ، مُنذُ البِدَايَةِ كَانَت مُترَدِّدَة، وَلَوْ سُئِلتْ لقالت أنَّهَا تشعُر بالضِّيقِ، كان آخر عَملٍ لهَا حِرَاسَة امْتحَانات شَهَادَة الباكالوريا، نفضَت يَدَيْها مِنَ الْعَمل الترْبَوي، وأنْهَت جَمِيع التزَامَاتِها في المَدْرسَة، أسْرَعَتْ إلَى ترْتِيبِ البَيْت، أخَذت تحْشُر أغرَاضَها وَمَا جَمَعَت مِن ذكرَيَات وَهَدَايَا فِي الحَقائِب، كأنَها توَدِّع البَيْت لترْحَل وَلا تَعُود، تخْرجُ من بَيْتها عَشَاء والرِّيح رخاء، وليل الصَّحْرَاء صَحْوًا، مُيَمِّمة وجْهَها شَطر مَحَطة الْحَافِلات، كانَ أبناؤُها الثلاثة يتجرْجَرُون، وأحْيانا يَترَاكضُون خلفها، نخْلة سَمرَاءَ سَامِقة بَادِيَة الطول، تمْشِي مُترَنِّحة من فرط التعَب والحَرَارة، تُرْهِفُ السَّمع، تصْغي لهَمَسَات النَّسِيم، تمْتطِي صَهْوَة أحْلاَمِها وَهِيَّ ترْكبُ حَافلة فارهَة مُريحَة من مَدينة {ورقلة } العامِرَة إلى مَدِينة {وهران} البَاهيَّة، يَغمُرهَا حَنين وَشَوْقٌ إلى مَسْقط رَأسِهَا، لا شك أنَّ الرِّحلة شاقة، والمَسَافة طويلة، وفي الليل تتهَاطلُ الأشبَاحُ، وتسْرَحُ الأروَاح، هِيَّ تحْلم بقضَاء عُطلة الصيْف بيْن أفرَاد أسْرَتها، تصُومُ رَمَضَان الكريم،وتقوم بجولات اسْتجْمَام على الشوَاطئ، مُبتهجة صَارخة في مَلامِحِهَا، والبَرَاءَة تسْكنُ نَظرَاتِهَا.

2- اخَذ الليْل يَتقدمُ والمَسافاتُ تتمدَّدُ، الصَّدى يتسَكعُ على أطراف الطريق، الريَّاحُ تعْبثُ بالرِّمال التائِهَة، البيُوت المُتناثرةُ تقبعُ بجَانب سُفوح الجِبال، تنبعِث منها أضواءٌ خَافِتة وعَتمة خلفَ التلال، ترْمي ببَصَرها بَعيدًا..المَسَافات تخْبرُنا أكثرَ عن أسْرار الكوْن وَجَمال الطبِيعَة، عن تنوُّع التضاريس وما تخفي من اسرار، سُبْحَانك رَبِّي مَا خَلقت هَذا بَاطِلا، الطريق الأجْمل هُو الذِي نقطعه في هُدوءٍ ورَاحَة بَال،عليْنا أن نتأمّل خلفَ الأفق، تعْصُر أفكارَهَا لتسْترجِعَ شيْئا من الذِكريَات، يُلازمُها صَمْت مُحَمَّل بالأسْئِلة، توَزِّع نظراتِها على تِلك الفيَافي والرَّوابي، الحَافلة تلتهِمُ الطرِيق التهَامًا، بَيْنَ سُكون الليل وإطلالة القمَر الهَادِئة تتوسَّدُ مرفقها، يتسَلل النوْم إلى جَفنِهَا لتغمِضَهُما بهُدُوء، وتفتحهُما ببطْءٍ، تتسَاءل: هل الليل مَصْنوعٌ من النُعَاس؟ أمْ أنَّ النعَاسَ فَضَاء آخرَ تغزون فيه أحْلامٌ ناعِمَة، في سُكون الليل تُغازلنا أطيَافٌ مُسَالمَة، وأرواح شرِّيرة، بإمكان المُسافر أن يَحْلم أكثرَ، وبإمْكان الأحْلام الفارغة أن تتلاشَى بسُرْعة البَرْق، سَتبْقى القلوبُ الصَّافية تضيءُ المَمَرات، وسَيزدًادُ الفضَاء اتسَاعًا كلما تعمَّقنا في الأفق، الأرْضُ مَنبَع الأسْرار، في السَّماء نجُومٌ مُتلألئة، قطعٌ من السُّحُب البيْضَاء غيْر مُسْتقرة، تنبِؤُنا بأنَّ حَياتنا تشبِهُها، هيَّ تلهُو بالنجُوم التي ترْسُم شَلالا مِن النُّور، لكنَّها تبقى شَاردة الذِّهن على غيْر عَادتها، تنازعها مشاعر مضطربة، وأسئلة كثيرة تسْكنها، تتزاحَم في رأسِها المُتعب، تتأمَّل أبناءَهَا في صَمْت، وهُم يَغِطُّون في نوْم عَمِيق، ولمَاذا الحُزنُ يَعْتصِرُ قلبَها؟

تنفلتُ الذكريات وتتلاشَى كالسّراب، تتصل بأمِّها تطمْئنها، تجيبُها عن سُؤالها:متى تَصلين؟ مَهلا أمَّاه..سأأتيك، والصُّبح موْعِدُنا، وتعيد سؤالها بلطف ماذا تحْتاجِين؟ لا شيء أمَّاه..!.وما الذي نحْتاجه في الرِّحلة غيْر التعَب والألم والخَوف، طوابير السيَّارات والمركبات تتهافت، غياب الثقافة المرورية يجعلك تنفعل، دَخلنا مُنعَرَجات {افلو} فهتفت إلى زَوْجها بصَوتٍ مُضْطرب، الحَافلة تسير بِسْرعة جُنونيَّة، لقد أصِيب الرُّكاب بالذُّعر في واحِدَة من تلك المُنعرجَات، الخَوْف يُهيْمن على أقطارنا، الأطفال نفضُوا مَا في أحْشائِهم، أنا خائفة.! 3- يا للهَوْل..اسْمعُ دوي انفجار هائل..انطفأت الأضواء، الحافلة تنحَرف..تنقلب.. السنة النيران تغْمُرنا، النوافذ لا تفتح، ماذا يَحْدث؟أصوات يدندن صداها.. تتردد، صرخات الفزع والاستغاثة، نحْن نحْترق..يَا وَيلي ..أين أوْلادي؟ لا أرى شيْئا..! فجأة انقطعت المُكالمة وران صمتٌ رهيبٌ، امتطى الرُّكاب بركانا هائجًا, غمرهُم لهبٌ مُتوهِجٌ، في لحظات تحوَّلت الرِّحلة إلى فوضى ثكلى بالأحْداث، مَشهدٌ مُرعِب سَلب الجَميع لغة الهَائمين التائِهين، يلفهم الظلام الدامس بمَخالبه الحادة، يرفسُهم الغبار، عَاصفة هوْجاء حولت الحافلة في سُكون خادع إلى رُكام، يَحْترقُ من في جوفها ويتفحَّم، أمرٌ عجيب ..مَشهَدٌ مُرعبٌ..جعل بقايا الحافلة ما يشبه عش طائر الفنيق الأسْطوري، لم يبق إلا الرماد تذروه الريَّاح، تتسلل منه أعمدة الدُّخان والروائح المُقززة ، تحولت الأجْساد الطريَّة كتلا مُفحمة، يا للهول.. جماجم مكشوفة وعِظام، هي ذي الطفلة {وسام} رمت بها أمُّها قبل أن تحول بينهما الْسِنة اللهب، التقت عيناها بعيني أمها آخر مرة وهيَّ تئن، مسكينة {وسام} تائهة..تتململ في التراب، تصْرخُ، الدمْع ينسابُ على وجْنتيها، عَيناها لا تزَال مُحدَّقة في المَقاعد المُتهرئة، ترْتشف مِنْ أنفاسِهَا مَا تُنعش به رُوحها، تسْتأنف البُكاء، يًا للهوْل تنطفئُ الأنوار في العُيون..! الناجُون عَصَفت بهم الأوْجاع، اسْتسلموا لبُكاء مرّ وقد جَفت الدُّمُوع، أصيبت الطفلة بالذهُول، كما أصيب كل من كان يتابعُ المَشْهَد الحَزين، تُنادي أمَّها وتفزع لما تراها حَاسِرة الرأس جُثة مُتفحمة، تترجَاهَا مُتلطفة أن تقُوم..! هيَّجت أحْزان الفؤَاد عندما تسَاءلت: أين تذهب؟ مَع من تذهب؟ وترفعُ صَوْتها عاليا :أمِّي ماتت..! دقات قلبها تتكسر.

4- من شدَّة الرُّعب والهَلع ماتت الأحْداق، ذابت الزفرات في رَغوة الفراغ، جفَّ النداء في الحناجر، تخرَّ صت الألسنة، تلاشت كل المَسافات وتطايرت الكلمات، الحُروف تريدُ من الأصْوات أن تتعَانق، ومن الأرْواح أن تهدأ، ليلة دَهْمَاء قضَاها المُسَافرُون في العَراء مُسَرْبلين في أحْزانهم، وفي دُجى الليل تهدأُ عاصِفة الهَول، وقد أدَمت المشاهد القلوبَ، أرواحٌ بَريئة تزهق بغير وجْه حق.. هكذا سبهلل..! سَائقٌ مُتهورٌ يُنهي الرِّحلة ويصنع المأساة بطيشه.. ويُبدّد أحْلام المسافرين، تغوص الأحزان في العُمق، يَختلط اللحم والدم المسفوح في رئة الأرض، تخطف الأرواح من الأجساد في غفلة، سُلوكٌ أرْعَن يُؤدِي بحياة{ 33} الأبرياء، آهٍ..فاض الطريق بمَوْت تِلك السيدة، وضاع رمَاد عِطرها في الدُّروب، ضجَ المكان بصوت النائِحات، وانفلتت الطفلة مُندفعة نحو الجثث المصففة تبحْث عن أمِّها، وتطلق صَراخًا حزينا وعَويلا يُشبه الهَديل، انصبت عُيون المُسعفين نحوها وأجْهَشوا بالبُكاء، صَار الصَّمت يَعْتصر..يا للهول..أي طريق سيختار المسافر لينجو من همجيَّة الوُحُوش؟! كلماتٌ بَائسَة ردَّدها العَابرُون إلى بلدَانهم وهم يتوَزعُون، مَا أكثر الأسْئلة التي تمُور في أتون الطرقات المُعفرة بالأحْزان، وتبْقى تِلك النظرَة الحَزِينة شاهِدَة على الْمَأسَاة، وعَلى بَشَاعَة إرهاب الطرُقات.

السابق
الغزالة والثعالب
التالي
زمن حائر

اترك تعليقاً