القصة القصيرة

ولِلْمُلُوكِ عَقَارِبٌ

حتىَّ وإن تصالحَتْ الشِّفاهُ مع حروفها الصَّادِمَة، فعَنقَاؤُنا صامِتةٌ لاتنفضُ، بُيُوتُنا حَزينة كأنَّ مفاتيحها لأناسٍ آخَرِين، نحنُ صرنا من أهلِنا نَخافُ، وعن أصدقائِنا نَبْتَعِدُ، وفي أحيائنا غرباء، يُشغلنا البَابُ الذي يُفتحُ، والعقَاربُ التي تَنَامُ معَنا
1- استيْقَظتْ كعَادتِها باكرًا، اشتَغلتْ بتحضِير قهْوةِ الصباح، لم تنْتبِه للسَّاعة، هذا هُو اليومُ الأوَّلُ من الدُّخول المدرسي، نهض أطفالها على عَجل، فَرَكَ الطفل عَيْنيْه وقال: أمِّي السَّاعة مُعَطلة، ضغطت على ملامِس الهاتف، إنَّه وقتُ الدُّخولِ، ارتَدَتْ ملابَسها الجَّديدة ـ المئزر داخل المحفظة، فأين المِحفظة ؟ بحثتْ عنْها ولم تجدْها،استعَانتْ ببعْض الملفات، سألتْهَا زميلتها في الطريق لمَّا لمحَتْ على وجْهِهَا شيْئًا من الاكتِئَابِ، ماذا حَدث؟ أجابتْها على مَضَضٍ:لاشيْءَ..همَّت بالدُّخول إلى المؤسَّسةِ ..البابُ مُوصدٌ، أقبل الحَارسُ..وجاءَ الْمُديرُ، خرَج الأساتذةُ يسألون ماذا حدَث..؟ انتابَها شعورٌ بالقلق.. المُدير يُخاطبُها بحَنقٍ شدِيدٍ:ما الذي أخَّركِ؟ قالت: أغلقوا الطريقَ كالعادَة..بادرها قائلا وقد ارْتعشَتْ شفتاهُ: مادخلُ الطريق في مَوضُوع الحُضور؟ ردّتْ عليه بصوْت مُرتَجفٍ: قوَّاتُ مُكافحة الشغب كانُوا هُم السَّببُ..انتفضتْ أهدابُها والدَّمعُ سيلٌ ترافقُه جَحَافل من الصّراخ

2-أخرجَ المُدير من درج المكتب المحفظة وبعضُ الأغْراضِ، قال : جاءَ بها بعضٌ من عناصر الأمْن..ارتَعشتْ وقالتْ في هَمْسٍ حزينٍ: ماذا تقول؟ أطرقتْ برَأسِها مُرتَجِفَةً.. تضرَّجَ وجهُها بحمْرةِ الخوفِ، زفرَتْ العَبرات في عَينيْها، اتَّشحتْ ملامِحُ وجْهِها بنظرةٍ مشُوبَة بألمٍ الصدْمَةِ، و أحسَّت بهولٍ شديدِ يُداهم رُوحَهَا، قال المديرُ: اقتحَمُوا بيْتكم ليلا والنَّاسُ نيَّامٌ، أخذُوا المحفظة وبعضَ الأغْراض، لحسنِ الحظِّ لم يجِدُوا في بيْتكم شَيئًا إلا المحْفظة، وماذا سيجِدُون غيرَ المِحفظة وغُبار الطبشور؟ أنتِ كُنتِ تمْزَحِينَ مع زمِيلتِكِ، تسْخَرين من هيْبَة جَلالتِه، احْذَري.. للجُدران آذانٌ، وللمُلوك عَقارِب، اعتصر بريقُ عيْنيْها، انتابَها خوفٌ شديدٌ وقالت:ما سخِرْتُ من أحدٍ..ولا نجْرَأُ أن نَسْخَر حتَّى من كلاب المَلِكِ وعسَسِهِ ونعَالهِ، قال: لفَّقُوا لكِ تُهمًا، قالتْ: فليَفَعَلُوا..ومتى كانوا يقولون الحقيقة؟ إيه.. كلُّ شيْءٍ من حوْلنا يُريدُ لنا الموْت، نحن مُبرْمجُون لكيْ نتعذَّبَ أكثرَ، أجل..موتُنا يتكرَّرُ والحُزنُ يكتَسِحُنا في كلِّ لحظة، كحُزن اليتامى والثكلى، حُزنٌ يُرافِقنا كالظل، هزَّت رأسها في انفعال وقالت تبًا لهم ولمن يقف معهم .. تحت العباءات يكمن الخطر وتنام الخيَّانة، إيه.. في خِضَمِّ الوجَع يَندَلِقُ خَرابُ النفوس كما الطوفان، وتبقى الفرْحَة مسْلوبَةٌ، والأحلام ترشُقُها العُيُون، حتَّى أنتَ يامُديرُ غَيْر مُؤتمنٌ، صِرْنا لانثِقُ فِيكَ..!أنت تفكر لغيرِك وتخفي في جوفك أسراراً، أوزاراً مع أوزارِك، وكأنك من الضفة الأخرى؛ تروِّج لثقافة المهزومين.
3- نحنُ كغيْمةِ صيْف تتخبَّط في الأفُقِ تائِهَة تبحَثُ عن مَزارِعَ الحُبِّ والأمل لتسقِي عطشى شجيْراتِ ذابلة أثْنَى الجَّفافُ أغْصَانَها، ولوَتْ الْعَواصِفُ أعناقها، الحقول أصابَهَا إعْصارٌ ذاتَ خريفٍ فاحْترَقَتْ، صارتْ الكلماتُ رمادًا تستفِزُّنا، تُصيبنا بالعمى الكحلي فنكتنزُ القلق ونستقرى الكلمات؛حتىَّ وإن تصالحَتْ الشِّفاهُ مع حروفها الصَّادِمَة، فعَنقَاؤُنا صامِتةٌ لاتنفضُ، بُيُوتُنا حَزينة كأنَّ مفاتيحها لأناسٍ آخَرِين، نحنُ صرنا من أهلِنا نَخافُ، وعن أصدقائِنا نَبْتَعِدُ، وفي أحيائنا غرباء، يُشغلنا البَابُ الذي يُفتحُ، والعقَاربُ التي تَنَامُ معَنا، والأفاعي التي تدْخلُ وتخْرجُ ولا أحدَ يعْتَرِضُ سبِيلهَا، لايعنِينَا أن تنْتَهِي الْحَيَاة غدًا أوبعْدَ غدٍ، الذِي يعنِينَا مَرارةَ الدُّرُوب الْمُلَغَمَة وتِلك الفزَّاعَات؛ فجأة أطبق عليها صمت مُخرس، ولم تستفق إلا على زخَّات مطر تلامس بحنان تربة الأرض، فشعرت برعشة باردة في جسدها وقالت: مأسَاتُنا تُنَاجِي الذِكريَات بِعُيونٍ من حَنِينٍ، و لو أنَّ لنا كرة لتبرأنا من هذه الوجوه المحنَّطة ولكان لنا وجود، لكن أعمارنا بقيت تصرُخُ في سَرابِ التِيه: مَتَى تُشْرِقُ شَمْسُ الْحيَاةِ في بَرَارِينَا .؟متى يكون لنا معنى..؟

السابق
لو…
التالي
رحلة البحث عن المجد

اترك تعليقاً