القصة القصيرة

ونعود به إلى الجنة

ظلّ المشهد محفورا في قلبي كوشم قديم. لم يفارق ذاكرتي أبدا حتى و أنا ألج قطار الأربعين و أحتضن من الأبناء بنتا و ولدا.
أمي في غرفة النوم، تجمع الثياب من الخزانة عشوائيا و تدسّها بعصبية داخل حقيبة كبيرة مرمية فوق السرير .
“محمد، ساعدني في جمع كل أدواتك المدرسية و أغراضك. سنذهب إلى بيت جدك .”
كان صوت أمي غريبا و فيه صرامة و حزن لم أعهدهما .
لمَاذا كل أدواتي و أغراضي ؟
كثيرا ما كنا نزور بيت جدي خاصة في نهايات الأسابيع ، و لم تكن أمي تحمل معها سوى حقيبة صغيرة فيها بعض الحاجيات الضرورية و الفاكهة التي تحبها جدتي .
اقتربت منها أستفسر عن الأمر فهالني احتقان وجهها والدمع منهمرا من عينيها .
مددت يدي أتلمس وجنتيها كأنما لأتأكد مما رأيت . لا أذكر أني رأيت أمي تبكي بتلك الحرقة قبل ذلك اليوم أبدا ، حتى عندما تتخاصم مع أبي لسبب ما ، أو عندما تزورنا عمّاتي و يحتدم النقاش و أحيانا يرتفع صوت عمّتي الكبرى ، كنت ألاحظ انزعاج أمي لكنها لا تبكي .
لم ترد أمي إخباري بشيء ، و في بيت جدّي أيضا كان الجميع يتهرّبون من أسئلتي ..أو يلقون في وجهي بأجوبة لا تقنعني و لا تشبع فضولي .
انقضى أسبوع في بيت جدي.. أسبوعان ، ثم ثلاثة ، و أمي لا تعود بي لجنّتي ، و أبي لا يظهر. ما الذي يحدث و لماذا اختفى أبي ، و لماذا لا نعود و أمي إلى بيتنا ؟
يغزو كياني الحنين لكل شبر في بيتنا الجميل. في كل يوم أكثر ، غرفتي ، ألعابي ، دراجتي ، مشاغبتي لأبي حين يعود من العمل ، نهايات الأسابيع حين يسمح لي بمرافقته إلى النادي فألتقي بأصدقائه و يقدّمني لهم قائلا : هذا البطل سيصبح طيارا / كنت أحسّ بزهو شديد /،المساءات الصيفية الجميلة حين أساعده في سقي أزهار الحديقة بينما أمي تحضّر لنا كعكة الليمون اللذيذة ..
ذاك كان عالمي. حياتي. وجودي. غير معقول أن أفقده مرة واحدة .
كانت التساؤلات تتكاثر في رأسي كفطرٍ سام ، وقلق أسود يلقي بغيمه على روحي..كنت حزينا رغم اهتمام الجميع بي .الحب و الرعاية يحوطانني من كل جانب ، لكن شيئا يشبه العدم كان ينبت ببطء في حقل قلبي.
ثم … زارنا أبي في بيت جدي للمرة الأولى .
أصبتُ بالتهاب اللوزتين .نقص وزني و فقدت شهيّتي للأكل و عاثت الحمى في جسدي و كنت أبكي كثيرا و ليلا تخنقني الكوابيس و أهلوس بأبي .
حبيبي .. والدك هنا .. جاء لزيارتك .
قفز قلبي في صدري من الفرحة .
تحاملت على وهني و نهضت من الفراش. رميت جسدي في حضن أبي. لم أبك و لكني شعرت برغبة في ضربه و بكل ما أملك من قوّة .
كانت لحظة الفرح قصيرة فقد غاب أبي بعدها من جديد. تعافيت من مرضي غير أني عدت إلى حزني و قلقي و تساؤلاتي.
و فكّرت أنّ أبي لا يأتي إلا حين أكون مريضا . لابد أن أمرض إذا ، و مرات عديدة ..المشكلة أنّ صحتي تحسّنت جدا. الجميع مهتمون بي ..يبالغون في تدليلي ، يحرسون على أكلي و نظافتي و الترفيه عني ..كأنّما يريدون حمايتي من خطر محدق.. أو مواساتي أو تعويضي .. تعويضي عن ماذا بالضبط ؟
لم أفهم شيئا وقتها
رياض رفيقي في المدرسة يقول لي ” والدك لن يعود أبدا ..ستعيش بعيدا عنه مثلي أنا ”
لم أجد الشجاعة لكي أفكّر في أنّ كلام رياض قد يكون صحيحا .. مستحيل .. لن أعيش بغير أبي ..غير ممكن ..لا معنى لحياتي بعيدا عنه .
لا بد من وجود طريقة أجعل بها أبي يحس بالشفقة عليّ و يعود إلينا، كأن أصاب بمرض خطير مثلا أو..أو تدهسني سيارة / لكن لا يجب أن أموت.. / أو أصاب إصابة بليغة في شجار مع أحدهم .
شجار ؟ و رنّ جرس الفكرة في رأسي .
حاتم لن يفهم و ربما لن يغفر لكن أبي قد يعود . الأمر يستحق المحاولة .
حاتم .. حاتم ..سأتعمّد مضايقته ، أبالغ في شتمه أمام الرفاق ..سأذكر شيئا عن مهنة والده../ كان والد حاتم فقيرا معدما ، يعمل اسكافيا في محل صغير بائس / حاتم عصبي بطبعه و عنيف .. سوف لن يحتمل الإهانة خاصة أمام من يحب .. /سأتخيّر الوقت الذي تمر فيه سلوى بالحيّ / .. سيمتلئ حاتم بالغضب ، سيبحلق في الرفاق و قد تجمهروا حولنا ساخرين منه..سيلمح الهزء في عيون سلوى ..يغلي الدم في عروق حاتم ، ينهال عليّ صفعا و ركلا ..تتعالى أصوات الرفاق مشجّعة ، أمثّل الدفاع عن نفسي لكني أترك جسدي عرضة لغضب حاتم ..أسقط أرضا و.. يشجّ جبيني .
العجيب ، و لحسن حظي ، أنّ القدر أنجز السيناريو كما تخيّلته تماما ، و لم أفق إلا و أنا في المستشفى و من حولي جدي و جدتي و خالي و خالتي و أبناء خالتي وأبي .. نعم أبي …
رضوض في كل جسدي و ألم في عيني اليسرى و رأسي معصوب بقطعة شاش .
كان الخوف يغلّف سحنة أمي . راحت تمعن في معاتبتي و تذكّرني بأنها مرارا نبّهتني لعدم الدخول في شجارات مع الرفاق .
و سمعت أبي يقول لها ” ليس هذا وقت محاسبته .. الحمد لله أنّ الجرح ليس عميقا ..”
ثم يردف و هو يرمق أمي بنظرة فيها من الحنان أكثر مما فيها من العتاب أو الغضب ..
سنمرّ ببيت جدّه نحمل الأغراض و نعود به إلى البيت ..
و رغم أنّي كنت منتبها جدا لحديثهما إلا أنّ العبارة الأخيرة وصلتني بهذه الصيغة..” ونعود به إلى الجنة ” .
من مجموعة تدق الساعة تمام الغياب

السابق
سُكارى
التالي
ظلال مغمورة

اترك تعليقاً