القصة القصيرة

وَانتَهَتْ الرِّحْلةُ

يُفتش في حُروف العمر المفقود، يقبض على جمر لهيبه، يئنُّ والهموم أناخت رُكبانها ..ضجَّ الفضاء وضاق الأفق..كل الأحبَّة رحلوا..لم يبق هنا إلا أفراد نسيَّهم الموتُ
1- يظهر لي كطيفٍ ثم يختفِي، يتحرَّك في العتمة خلف البستان، أبصر الأشجار تبتسم، فأتوجّسُ خِيفة، أخاطبُهُ مُتوددًا، فيُلقِي في نفسي الأمل والرُّعب، الخوف والرّجاء، يطمئنني بكلمات عذبةٍ فيها دِفءٌ وفيها عُذوبةٌ، يُقلقني أن تبقى عيناه الضوْئِية مُبحلقة تلاحقني، أشيح بوجهي عنه فأجدُه كالتمثال مُنتصبًا أمَامِي، أتظاهر بالهُدوء، انهضُ من مكاني مفزوعًا، وإذا همَمْتُ بالانصراف قام واقفا وتبعنِي، إذا جلست استوي جالسًا ومدَّ رجله وابتسم في وجْهي، أمشِي فيمشِى مَعِي، ادخُلُ البيْتَ فأجدُه مُنتصب القامة أمامِي ..ثم لا يلبثُ أن يخْتفِي!
2-احترتُ في أمْره وشَكوتُ وتألمتُ وتضايقتُ، ذات ليل قال لي: إنه ملك الموْت، يتنزَّه كل ليلة ويجُول في أصقاع المعْمُورة ليقبَضَ أروَاحَ من حان حِينهم، والذين انْتهتْ مهمَّتهم في الحياة، انتفضُ مرعُوبا وأسأله مُرتجفًا: ماذا تقول ؟ سأكون لك عونًا وخادمًا مُطيعًا ثم سألتهُ :أن أتبِعه قال، فإن اتبعتني فلا تسألني والتزم الصمت والهدُوء، قلت:سأكون خادما لك ورفيقَا مُعينًا..سخر مني وقال : إن كنت كذلك فأعنِّي على نفسك فقط ولا تتعجَّل، فإن رأيتني جالسًا عندَ رجليْك فاعْلم أنِّي جئتُ لأقبضَ رُوحك، فصحْتُ: لاتفعل..رجاءً لاتفعل..!
3- قال الراوي: ذات ضحى وبينما هو مضطجع يُعاني مقصا في المعدة، نظر فوجده عندَ رِجليْه، ارتسمت على تقاسيم وجه المخضب بالألم علامات استفهام، جحظت عيناه وأصيب برعْشة أخذ يهذي مُطالبا أبناءَه بأن يغيِّروا وضعه، أن يجْعلوا رأسه مكان رجليْه، فيتحوَّل معه في كل اتِجاهٍ وفي كل وضعيَّة، وكلما غيَّرُوا اتجاهه يتغيَّر معه، يقف أمامه كاللوح ولا يتزحزحُ، وهو مُمدَّدٌ على قارعة مسافات الاحتِضار، كقمرٍ يتدَلى في أفُق العيَّال، يُفتش في حُروف العمر المفقود، يقبض على جمر لهيبه، يئنُّ والهموم أناخت رُكبانها ..ضجَّ الفضاء وضاق الأفق..كل الأحبَّة رحلوا..لم يبق هنا إلا أفراد نسيَّهم الموتُ، الأمر مُقلق جدًا، يُرسل تنهادات كالزَّفير، وهو مكوَّم فوق سريره، يجُول بنظره في زوايا البيت، لعله يجدُ من ينقذه من هذا الجحيم؛ ولم يجد إلا عيونًا مٌحدّقة فيه، يهتز صدره، ترتعب أنفاسه، ترتعشُ أطرافه، يشعر بهوْلٍ شديدٍ، فيهتز ثائرًا، يحتفظ ببقايا أحلام تتقلب معه تعده وتمنيه.
4- هي لحظات لابدَّ منها..يصيح فيه: انزع نعليك، لملم أشلاءَ أفراحِكَ وأتعَابِك، توسَّد دمُوعك، توضَّأ بضباب أحلامك، وتهيأ للرحيل، يعتصر بريق عينيه،..فجأة هبَّ واقفا مُتلهفا حُضور العيَّال..مهلا: لاينفع الفرار.. فلقد صارت مفاتيح بيتك في جُيوب الغرباء، انتهت الرِّحلة..فسلامٌ عليك فوق الأرض، وسلام عليك تحت الأرض.! قال أمهلني، مازلت أنشد الحياة قال:لكل أجل كتاب، انتهت الرحلة.. فترجل كليْمَات بَائسة يلوكها في غير وعي، وأخذ يتنفس الحُرقة على مضض، ويُخاطب نفسه مُتمتما، سلامٌ عليك أيتُها الحيَاة..اتشحت ملامح وجهه، رمى بدمعة وأحتفظ بكل الدُّموع في محاجرها، تصالحت شفتاه مع الزفير، فأخذ يبتلعُ الظمأ خلف سراب لايراه أحدٌ سواه، يسترخى فاردًا يديه..قد يختار أسهل السبل المتاحة لديه للرحيل؛ صمتٌ رهيبٌ تمتصه أذُنٌ صاغِيَّة، سُكون يخترقه فزعٌ ورحيلٌ، وفي بطء يغادر نهر عمره في غبشة الفجر، بقدمَين حافيتين،وجسد مسجى، ومن حوله انتشر الهرج.

السابق
مُزحة عربيّة
التالي
دعني أسق التّراموي

اترك تعليقاً