القصة القصيرة

وَثْبَة فِي انْكِسَارِ الظَّلاَمِ

يسأل في استغراب ولهفةٍ هل هو مُصاب؟ يمرِّر مِنديلا ورقيا على جَبينه المُفلطح، يُجفف قطرات دَم انحَدَرت كاللجَيْن، يتفاجأ وهو يقف مصدومًا..ياللهول..وقع في كمين مقدور عليه مُنذ أن خرج، لم يكن يدْري أنه ضَحيَّة حادث مُرور بهذا الْحَجْم..!
1- تهيّأ الصبْحَ للسَّفر واستنفرَ العيَّال، ولمّا أزَفت ساعة الرَّحِيل خرجَ من بيته مُتثاقلا مُترددًا ينشد العاصمة، راح يتسلقُ نهاره مُتثائبًا مُتعبًا كذبول الفراشاتِ، يطوِي المسافات أقدامًا تَأخذُهُ وتُعيدهُ، يَمشِى الهُويْنى على مَتن سيَّارته كما تمْشي القوافل ضَعْنهَا، هو كثير الأسفار كالسندَ بَادِ يتلذَّذ بعذاب الطريق؛ مُغرم بهذِه الرحلات؛ يتخذ منها وقودًا لأحاديثه الفيْسبُوكيَّة، قضى سحابة يوْمه مُنكمشًا على نفسه كئيبًا، في المساء وهو عائدٌ إلى بيته كانت السَّماء مُتخمة بالغيُوم، تتهيّأ لنثر قطرات الشتاء؛ والليل أرخى ستائره، يقودُ السيَّارة بملل، يطلق العنان لخياله ليغوصَ، يستسلم لنوم عَميقٍ { فينام نوْمة الدِّيك على الحَبْل} انتشى بحلم جميل وماتع، رأى فيما يرى النائم أنه يدخل فضاء فسيحًا امتدادَ الأفقِ، وأنه يمر بين عارضتين تحملان خريطة لبُحيرة المستقبل {بوغزول} كان فخورًا بأنه أوّل الداخلين البحيرة السّابحِين السّائحِين، تفرعت الدُّروب، تشابهت المتاهات، تعانقت الأضواء، وعلى بصيص ضوءٍ يُشبهُ ذُبالة شمعة، تقودُه الشمْعة إلى أفقٍ منَ الخوَاء، فيُحلق بدُون أجنحةٍ، وتهبُّ زوبعة ريَّاحُها عَاصفة مُزلزلة، فينقطعُ الحُلم الجميل فجأة ويصحُو مذعورًا، تنفلت جُفونه من بين خيوط الوَهْم، يحُسَّ برعْشة باردةٍ تسْري في جسده، فيفزع كأنه يسرقُ صحوة من مضغة الرَّحيل{وما كل يوم تسلم الجرة }

2- كبَتْ السيّارة كبْوَة المُهر الأصِيل، فوثبت إلى أسفل المُنحدر، في انكسَارِ الظلاَم.. نطت ثم حطت ونبَذتْه بالعراء مُعلقًا وهو كليل، يتملمَل..يبحَث عن جسدٍ اهتزَّت فيه كل عَظمة، ورُوح سكنت بين الصّمت والنُّعاس، أخذ يجُول ببصرهِ مبهوتا قد شطت به الأفكار ونأت الديَّار.. يتخلص من حزام الأمن ببُطءٍ، مُتجاهلا وشوَشات البنات وزوجة تدلى عُنقها على حافة النافذة لتطمَئنّ، يَستغرِق في أحلام اليقظة مبْهُوتًا، وكزته عربيَّة ثم خضْخَضَته فارْتعشَ وانتَعشَ..سألته مُتلهفة: أبِي هل أنت بخير..؟ فيتخاذل لسانه ويُسرفُ في الأنين، يتزحزح ناحيّة اليمين ثم يلتف خلفه وينادِي ربَّه نداءَ خفيًا، يُمعِنُ النظرَ في العيّال ويعُدُّهم عدًا، فتقع عيناه الشاردَة على دُمُوعِهن وألفاهمن يتهَافتن؛ عُيونُهن مُصوّبة نحْوه مُشفقةً، يسمعُ زفير سيِّدة البيت مفجُوعة تُدَنْدُ بحزن كسِيح، وآهات البنات ونداءات الاستغاثة، عَانقْنَ التربة النديّة جميعا وطوَّقهُن الغيْثُ الحَنينُ، كأنّهنَّ خُلقن من طينة الْمكان طمْيه ونبْته وسيُوله، الهدوءُ يبسط سلطانه على هذه الروابي، الظلام يُعانق الأرض، يطرق برأسه هُنيهاتٍ والبردُ القارسُ يُحَسْحِسُ وجْهه، بدا مُضطربًا شاردَ الذِّهن يسكنهُ الرُّعبُ و يُنهْنِهُ الخوفُ، رأى القمرَ يُكفْكفُ على التلال في هدْأة الليل، يظهرُ ويغيب يَحْرُسُه، يرْتشفُ تراتيلَ النجُوم المتخفيَّة فيستنجد وشلاَّل الهُموم يندَحُ وقد ترامت أشلاؤهُ كشطآن جُرحِه، يقفُ مستويًا على ساقيْه مُتعثرًا مَشدوهًا، وبصوْتٍ جافٍ مُحمّل بالدَّهشةِ والانفِعَالِ.. يُحوْقلُ ..يستغفِرُ ربَّه..يضرب يدًا بأخرَى وصوْتهُ حَزينًا وفي حَلقهِ غُصَّة: ولا تنْحَنِي الجِبَال إلا للرِّجالِ، وللسيَّاراتِ في الدُّروب والمُنعرجات – وإنْ ألجَمْتها – كبواتٌ وعثراتٌ مُفزعة، وما كان له أن يرْفعَ رأسهُ في شمُوخ دُونَ أن يرَى العيّال مُعافِين سالمين يتحَّركُون؛ وقد اطمأنَّ وتخلص من الظنون، طافَ حَوْل السيَّارة وسعى وفزع يُلملمُ وهَجَ الشَّوق، يَسَبح في حَنين همْسِ الأيَّام الخوَالي، وما ارتوَى من البَحْر، يمدُّ يده ليتناوَل جُرعَة من الغُبار والطين ووَحْل البُحَيْرة والظلام الدَّامِس، يتفجَّر القلبُ أنينًا، يُكفكف دمُوعَ الحَسرة مُلتهبة، تهتزُ شفتاهُ وتختلِجُ، يُنادِي من سمعَ حَشرَجة الصدُور

3- يستقبل هذا السَّيل البشرِي الصَّاخب بلوْعَة واسْتيَّاء، جاؤُوا لإنقاذِه مُتعَاوِنين، يزفر ضجرًا والسيارة مُنتصبة كخيْمة من الأشبَاح، مُطفأة الأضوَاء مُتهرئة ساخت عجلاتها في الطين {ولا ينجي حذر من قدر }.. شملته حالة من الذُّهُول، وكان المُسْعِفُون وجهًا من وجوه الحزن، أخَذ َيسْأل بصَهْد الكلمَات:زوجته وابنتيه؛ تترَقرقُ الدُّموع في المآقي ويتظاهرُ بالصبْر؛ يفزعُ يبحثُ عن حكايته،عن وميض رحلة فوق صهوة الأمواج؛ ويخاطب الرَّجاء، تُربِّتُ عربيَّة على ظهره وتسألهُ الهدُوء فيتضوّر، وتعلن سَامِيَّة في خبرٍ عَاجل أنَّ أفرادَ العائِلة سَالمِين وتهْتفُ إلى عَامر، تتراجعُ السيدة وتستقرُّ على الأرض جَالسة تضربُ على صدْرها وقد علا أنِينُها في ظلمَة الْمَكَان، والدُّموع تسبحُ على وجنتيْها كالصَّقِيع، تبْتهِج سَاميَّة بالخوْف تهَدهِدُه، فتفزع عَربيّة على استحيَاء تتوسّد حَيْرتها وترْمي بدمْعة كالجَّمر وتحْتفظُ بكل الدُّموع، يتنفَّس زَفيرَ حَسْرتِه بَيْن بَواسق الوجَع وحُلم تُسَاوِرُه الوَسَاوِس الهَوْجَاءَ، ولا يتحمل هذا الكم من الأنين..تتهشَّم الكلماتُ ويتقاسمُون مُرّهَا؛ تتناثر الحُروف زوابِعَ وقدْ ضَاقَ الأفُق ..يَنتفضُ ..يَسأل.. يصله للتوِّ صوْتٌ بَائِسٌ حَسِيرٌ..يُعلق قلبه على جداران الدُّروب المُغطاة بالعُشب، يُحَاوِل استرْجَاع وعْيِه وقدْرَتهِ على الصُّمود..يصله النِّداء ثانيَّة.. رُوَيْدَك ..ها قد طويت المسافة وما طويت إلا بعْضَها، يسأل في ارتياب أين البعْضُ؟ هوِّن عليك..ماتبقى من العُمر إلا القليل..انتهت الرحلة ولم تنته ! النجْعُ قد ارْتحَل.. يتعَاظمُ الخطبُ والحوادث ابتلاءٌ وقضاءٌ وتجليات، تنحَدِر عيناه حَيثُ ازدحَمَت الأقدَام واختلط الهَرَجُ، ينكشفُ لهُم.. الأضوَاءُ تحوِّلُ المَكان إلى نهَار، يتناجَوَن هَمْسًا هُو ذَا.. وَجهٌ مألوفٌ مُعْرُوفٌ كالخرُوف.. إنه هُو..أجَل..هُو..يرْفعُ صوْته فاردًا يديْه كأنَّه مَصْلوب، أنَا هنا..يَرْمِى ببَصرِه نحْو العيَّال.. يُغمِضُ عيْنَيْه الدَّامِعَتين ويَخْجَل مِنْ لمَّة الجيرَان، يتراجعُ..يلتفِتُ..يسأل..يبْحثُ عن مخْرَج.. ترتَاحُ نَفْسَه الْمُضْطرِبَة، يُنقل إلى المشفى والجُروح نَازِقة تَنتَظِرُ من يُدَاوِيهَا.

4- يسأل في استغراب ولهفةٍ هل هو مُصاب؟ يمرِّر مِنديلا ورقيا على جَبينه المُفلطح، يُجفف قطرات دَم انحَدَرت كاللجَيْن، يتفاجأ وهو يقف مصدومًا..ياللهول..وقع في كمين مقدور عليه مُنذ أن خرج، لم يكن يدْري أنه ضَحيَّة حادث مُرور بهذا الْحَجْم..! أخذ يمْزحُ..يروِّحُ عن نفسه..يطردُ الخوف من محيطه..يريدُ من الزَّوجة أن تكونَ مِثله مُتماسِكة..يَذكر أنَّه ذاتَ يوم ارتطمَ بحِصَانٍ ونجا بأعْجُوبة ونفَق الحِصَان، يَذكر حَوادِث أخْرَى ولكنه هذه المرة كاد أن يذْهَب الْحَادِث به وبالعِيَّال، أدْرَك أنَّ في الحوادث هلعٌ وخوفٌ وخَسائرَ، وأن الحُزن مُؤلم، و لامناص من تجَاوز مَرْحلَة الذُّعْر بإغْلاقِ الأعْين، حتَّى وإن نزف سيْلا من الدُّمُوع، يشعُر بدَوَرَان في رَأسِه، يُهيْمنُ الْوَهَن على كامِل جَسَدِه، يشْعر بِبُرودة تصعْد من مخمصة القدمين إلى أعلى الصدر، يستسلم لإغمَاءات ذهبت بشيءٍ من حيويَّته، يغشاه يأسٌ وشيءٌ من الإحْباط.. يضْطر أن يُمسك بعِصم المُسافرين، يتوقُ إلى العيَّال؛ يتمنى أن يكون معهم في اسْترَاحَة.. ربَّاه.. حين يكتب الوجعُ نبْضنا المَفجُوع نغيبُ في دخَّان مُغمَضِ العَيْنيْين و تذهَب الفَاجِعة بالعُقول فنخبط خبط عشواءَ.
5- ياللحزن..المَصَائِب تُدمِّر جَبَرُوتنا، وتعْبثُ بِمشَاعِرنا، تَجْعلنا نمر بلحَظات قاسِيّة تُشْبِهُ الهَول، تحْفُرُ في أعماقنا أخاديدَ وتنكأ الجراح، لحظات فيها نكرَه ونحِبُّ..نرْضى ونرْفضُ..نتجَاهلُ ونَسْتحْضِرُ..نتساءلُ ولا نجِيبُ.. يغْزُونا كمٌّ هائل من اللمذات ..نطأطئُ الرأس وما طأطأناه من قبل إلا لحلاَّق يُصفِّفُ شعْرنَا، إنه يتألم ألمَيْن وقد اسْتفاقَ على غمْغمَة الشفاه، وأحلام الكبار تتغيَّر، يجْرفه الحنين فيتدثر بغلالة من الأمل..أجل..هو في خريف العُمر، سريعُ الغضب.. يبوحُ بكلمات ثقِيلة عن النفس ولا يعْرف لها معْنى، ينكفئ على نفسه مُتلذذًا بانكساره ويأسه، فلقد أهدَر دُموعًا بسَخاءٍ ليطفئَ أوجاعًا ألمَّت به، وآهات في خلجات الصدر ماتزال ترْتجفُ؛ تدُورُ في مدار واحدٍ، يزفرها بضجر دُون شهِيق، الْمَصَائب تتفاوَتُ، تنقص على الإنسان صفوَ حَياته، تجعَله ينشدُ الدِّفْء العَائلي كالشَّوْق، يلتاعُ القلب ويتسارع نبْضه، يبحَثُ في مَراياه عن حفنة الضيَّاء الجائعة، تعلو آهات تشغله كالحَيْرة، فيُوشك أن يبكي ثانيَة وقدْ بكى من قبل ماتيسَّر، وافر ط العيَّال مثله فِي البكاء؛ يَتنهدُ تنهدة ارتيَّاح ورضاء، يَحْمدُ الله على لطفه وعنايته أن أفتكَّه من مَخالب عِفْريت نفريت ترصَّد هُ في ليل بهِيم وانفردَ به في ظلمة حالكة، الحوادثُ تجعلنا نكتشف أوْضَارَ الذَّات وأدْرانها، ندرك أننا مُجرّد ريشة في مَهبِّ الرِّيح، سَلمَتْ النُّفوس بطِيبِ أفَعَالِها، والله خَيْر حَفيظ.

السابق
عِنْدَمَا يَهْدَأُ عُنفُ النَّهْر
التالي
دمعات لا كالدمعات

اترك تعليقاً