القصة القصيرة

وَعَادَتْ مَرْيَمُ إِلَى بَيْتِهَا

وكَانتْ الحَرْبُ مُدمِّرة مُهْلكَة قذِرَةً، مَذَابِح تَتْرَى في الطرِيقِ، مَقابرَ في العَرَاءِ تَتْلو قِصَصًا مُرعِبَة، أجْسَاداً مُبَعْثرةً، قتلى يتسَاقطون بِوضْعِيَّات مُخْتلفة، الرَوَائح الَكرِيهَة المُقزِّزَة تنبَعِثُ مِن كل مَكَان، الِغرْبان تتهَافتُ على لُحُوم الأطفَال تلتَهِمُها، ما أبْشَعَهَا من مَناظرَ! ومَا أشدَّ قبْحَها! لم نجِدْ شَيْئًا في الطرِيق نقْتَاتُ مِنه، أو نَهُشُّ به على أشبَاحِ خَوْفِنَا، عَدَا كُثبَان الرِّمَال تِلكَ التِي أمْسَتْ أمْوَاجُهَا تنْتَحِرُ
01- في غَمْرَةِ اللَّيلِ وسُكونِه يَهْتفُ البَرْقُ، وَيَتَدَثرَ الكوْنُ فِي أسْمَالِهِ؛ تعزِفُ الريَّاح العَاتيّة ألْحَانَهَا عَلَى أمْوَاجِ الغُبَارِ، فتزْرَعُ الأتربةُ بسَاتِينَ فِي المَحَاجِر؛ وتَنْثُرُ الْكَآبة فِي الأرْوَاحِ؛ تَتَهَافَتُ الآهَاتُ؛ تَمْتَدُّ الأَعْنَاقُ مُشْرئِبَّة مُتلهِّفة إلى الأوْطان؛ وَيَمُوج ُ الحَنينُ، أخْلو بِنَفْسِي ضَارِعَةً أسَائلُهَا؟ انْتَعِلُ الشَّوْقَ لَهِيبًا يَحْرَقُنِي، اسْتَقْرِئُ نجُومَ السَّمَاءِ، أعُدُّ حُصَيَّات الرَّمْل أبَعْثِرُهَا، أرْسِلُ آهَاتٍ كالزَّفرَاتِ، اصْرخُ فِي وَجْهِ الظلاَمِ، أنَادِي بِأعْلى صَوْتِي، بِكل جوَارِحِي، الأسْئِلَةُ تتَهَاطلُ كالدُّمُوع، وتَنْزِلُ أسْفَارَ الأحْزَانِ قِطعًا مُظلمَةً؛ أرَاذِل القوْمِ يَتَطاوَلَونَ..؟يمْتلئُون أبَّهَةً وخُيَلاَء وَعُنفُوَانا؛ مِنْ أيِّ طِينَة هُم؟: أهؤُلاَءْ مُسْلمُونَ؟! أنَا لا أصدِّقُ..! وَهَلْ المُسْلمُ يَسْتَبِيح أعْرَاضَ المُسْلمِين؟ يَهدِمُ ما بَناهُ الخَالق وَشَكَّلَهُ فِي الأرْحَام؟ يَا للعَجَب يَدَّعِون أنَّهُم على حَق فِي خَطفِ بَناتِ المُسْلمِين! وسَفكْ دِمَاء الأبريَّاء؟ وتَخريبِ المَآذِن والقِبَاب والتُّحَفِ العِمَرَانيَّة،أيُّ مَنْطِقٍ هَذَا؟ مَنْ أعَطَاهُم هَذا الحَق؟يا إلهِي.. لم تسْلم حتَّى القُبُور من أيْدِيهِم القذِرَة، ويُحْزنُنِي أنَّهُ.. لم يَفْعل هَذا النَّصارَى ولاَ اليَهودُ ولا المَجُوس..! لم تَتعَرَّض نِسْوتهُم للسَبْيِ..لم تنْتَهِك حُرمَاتُهُم..وخَيْبَتَاهُ..!! قِصَصُنَا بَاتَتْ مَدْفُونَةً فِي الصَّمْتِ ! أجْلسُ مَعَ الصُّحَيْبَات هُنَا .. نَتَنَقلُ هُنَاك، الشَّمْسُ تسْكبُ أشعَّتهَا الحَارَّة عَلَى الرُّؤُوسِ، تُوشَكُ أنْ تَكُونَ ضُرامًا. الدُّمُوعُ لا تبَارِحُ مَعَاقِبنَا، حِكَايَتُنَا صَارَتْ جُرحًا، ما كُنتُ أدْرِي أنَّ الدَّهْرَ يَنْسَانَا، دُمُوعُ الفتيَات الماليات تَتَدَفَّقُ بسَخَاءٍ..أجَل..الحُزنُ كالظِل يُرافقُنا، أفجَعَنَا ..أوْجَعَ غُرْبَتَنَا، فيَا لَهْفِي كَمْ طَالَ السَّفَرُ..! لقدْ ضَاقَتْ بنا الصَّحْرَاءُ بِمَا رَحُبتْ، كأنَّ الرِّمَالَ سِهَامٌ صوَّبَتْ نحْوَ القُلوبِ ترْشقُهَا، يَا وَيْحِي تَنَاثَرَت عَلَى الرُّؤوسِ السِّهَام، نادَيْتُ أهْلِي حَتىَّ صَار النِّدَاءُ عَوِيلاً، يا حَرْب كَفْكفي دُمُوعَنَا..!ومُعْتَصَمَاه..! الفؤَادُ صَارَ عَليلاً..أذْكُرُ تلِك الليْلةَ التِي تَسرَّبَت إِلى مَدِينتنا جَمَاعَةٌ مِنَ الأوْغَادِ، تحْتَ جُنح اللَّيل أخَذَونا سَبَايَا، وَ حُزْنَاه..! عِشْنا يوْمَئِذ مَرَارَةَ شَظفِ العَيْش وَسُوء المُعَامَلةِ، تَنْهَلُ عَليْنَا ألوَانٌ مِن العَذابُ، وحُوشٌ ضَاريَّة ليْسَ لهُمْ أخْلاقٌ ولا ذَرَّة من الإنْسَانِيَّة .
02- رحَلُوا بِنَا ونَحْن مُكبَّلينَ بالأغْلاَل، مَعْصُوبِي العُيُون إلى أدْغَال الصَّحْراءَ، سَكنُوا بنَا الكُهُوف مَع الأفَاعِي والعَقارِب، خِيَّم نحْتشِدُ تحْتَ أسْتارهَا، صَعَالِيك يفْترشُونَ العَاصِفَة وينتَحِرُ ون، الماليَّات البَائِسَات أكثرَ عَذابًا مناَّ وأشدَّ لوْعَة، كَانوا يُجْلدُون بالسيَّاطِ لأتْفهِ الأسبَاب، هنَّ حَاسِرَات الرُّؤوس، حَافيَّات الأقدَام، يتألمْنَ..يَكْتمْن أوجَاعُهنَّ.. كُنتُ اعزِفُ عَلى الصَّمت.. أتَابعُ تنَهُدَات الرِّيح.. أغطي هَلعِي وأخْفِي ثوْرَتِي، ذَاكرة المَكان تجْمَعُ بين شَفتيْهَا أسْمَاءَ تلاشتْ، وسَكتَ فيهَا المعلوم، اسْتلِمُ للنَّوم بَعْد أرَقٍ طويلٍ، استفِيقُ عَلى جَلبَة وشَقشقة أقدَام تترَاكَضُ، أسْرَى مُنهَكِينَ يَسْتغِيثُون..يتودَّدُون وآسَفَاه يُذبَحُون، الأيَّام تتدَافعُ في مُرورِهَا. وجَاءَ مَن يُنقِذُنا ..يَا فَرْحتَاه..! وأخْجَل أنْ أقُولَ إنَّهُم غَيرُ مُسْلمِينَ، وشَتَّانَ بَين مُعَامَلة هُؤُلاءِ وأولئِك الأجْلاَف! البَوْنُ شَاسِعٌ، لم نَعْرِفْ سَبِيلاً لِلرِّعَاع الْغَادِرِين مُذ أنْ بدَأ غَزوُ الْفرَنْسِيين،القَصْفُ مُتَوَاصِلٌ، صارُوا كالأرَانب يَتقَافزُون؛ يَدْخُلونَ الجُحُور يَختَفُون، ترَكُوا جَرْحَاهم يَنزِفُون، بَقِينا فِي العَرَاءِ، نَتحَرَّكُ كالسَّلاحِف بِبْطءٍ، تأوِينَا خيَّم مُلتصِقَة بالأرْضِ، لا تَصْمُد أمَامَ غَضَبِ الطبِيعَة، الأرْضُ تَهتزُّ من حَوْلنَا ومن تحْتِنَا فِي كُل حِينٍ، وجَدنا أنفسَنا بَينَ اختيَاريْن: إمَّا أنْ نَبْقَى فنمُوتُ جُوعًا وعَطشًا، وإمَّا أن نَخْرجَ في رِحْلة مَجْهُولَة المَصِير، قطَعنَا المَسَافَات، وسَط أفوَاجٍ من الأفارِقَة الفارِّين من شَبَحَين: الجَمَاعَات المُسلحَّة والجُوعُ، وكَانتْ الحَرْبُ مُدمِّرة مُهْلكَة قذِرَةً، مَذَابِح تَتْرَى في الطرِيقِ، مَقابرَ في العَرَاءِ تَتْلو قِصَصًا مُرعِبَة، أجْسَاداً مُبَعْثرةً، قتلى يتسَاقطون بِوضْعِيَّات مُخْتلفة، الرَوَائح الَكرِيهَة المُقزِّزَة تنبَعِثُ مِن كل مَكَان، الِغرْبان تتهَافتُ على لُحُوم الأطفَال تلتَهِمُها، ما أبْشَعَهَا من مَناظرَ! ومَا أشدَّ قبْحَها! لم نجِدْ شَيْئًا في الطرِيق نقْتَاتُ مِنه، أو نَهُشُّ به على أشبَاحِ خَوْفِنَا، عَدَا كُثبَان الرِّمَال تِلكَ التِي أمْسَتْ أمْوَاجُهَا تنْتَحِرُ، الهَائمُون أفواجًا مُتلاحِقة، توَارَثُوا على أسْلافِهِم فعْل الترْحَال والرَّحِيل، كائِنَات بشَرِيَّة طوَاهَا النِّسْيَان فِي هَذِه الْقِفَار؛ تقِفُ كالأشبَاح عَلى قَارِعَة الطرِيق،تَسْتَغيثُ وقدْ دبَغَ الشَّقَاءُ عُيونَهُم، يمدُّون أيْدِيهم مُتذَلِلين؛ الذِّئابُ تَحْلمُ، الغِربانُ تَنْتَشِي بِالخَرَابِ؛ أحُسُّ بالنأيِ؛ بدَوَرَان الأرْضِ، في انتظار هُجُوم الرِّيح؛ الأحْلام مَقتولةٌ،النَّائحَاتُ في هَلعِ الكَارِثة؛ وَحُلم النَّجَاة عَصِيُّ .
3- كَانتْ وجْهَتنا الجَزَائر، نِسَاءٌ نحَيفاتٌ عَاريَّاتٌ كاسِحَاتُ الرُّؤوس، غَير آبِهَاتٍ بِصُرَاخ الْجَلادِين، أطفَالٌ يرْكضُونَ خَلف أمَّهَاتهِم، أقدَامُهم تَنزِفُ دمًا، يلتصِقُ الْجِلد الدَّامِي بالأحْجَارِ المُسَنَّنَة؛ يَتمزَّقُ اللحْمُ، جُلودُهمْ عَاريَّة، بُطونُهُم ضَامِرَة، هُم جِيَّاع غَزَا عُيونَهُم الذُّبَابُ، يا لِلبرَاءَة هُم يمْرحُون ويَلعَبُونَ، عِندَ المعْبَرِ وجَدْنا أنفُسنا في حَشدٍ رَهِيبٍ من البَشر، يَفترِشُون تربَة المَكَان، يلتَحِفُون نجُومَ السَّمَاء، هِيَّ ذِي الحُدُودُ الجَزائريَّة، هَبَّت ريَّاحٌ الحُريَّة، تَنفَّسْنا هوَاءَ الوَطن، وشربْنا مَاء زُلاَلاً، أزَحْنا هُمُوم الغُربَة، تَلاشَتْ ظلمَةُ الليْل، ولاحَتْ الأنوَارُ من مَدِينة أحْببتها {تامنغاست} ،انخَرَطتُ في كوْكبَة مِن الفَتيات التائِهَات، هنَّ يَتَلطفْن..يُصافِحْن الوُجُوه بِخَجَل وَخَوْفٍ كأنهُنَّ رَاهِبَات؛ تقْتَاتُ أنفَاسُهنَّ السَّابِحَة في لجَّة العَرَقِ، يَسْتجدين طعَامَا {صدَكَة}.يَطلبْنَ مَاءَ، انتَظمْنا في مَجمُوعَاتٍ، أخَذتنا حَافِلات إلى مَرَاكزَ الإيوَاء، لم تَكن لدَينا أورَاقٌ ثبُوتِيَّة، ولم نَمْلِك شَيْئًا سِوَى آهَاتٍ مُتقطعة وَأنينٍ وخَوفٍ رَهيبٍ.
وَمَا إنْ دَلفْتُ الحَافِلَة لاَهِثةً مُضْطَرِبَة حَتىَ دَاهَمَتْنِي هَمَسَاتٌ، كوِمِيضِ خَاطِفٍ: من تكُونِينَ؟! أجَبْتُ:..أنا مَرْيَم مِن قَبَائِل التَو َارِق الأحْرَار ..!وَانفَجَرَتُ أبْكِي بِصَوْتٍ عَالٍ، و حَسْرَتَاه..!أيُّ طريقٍ أسلكُ كيْ أصِلَ إلَى بَيْتي.. وَبيْتِي غَيرُ مَوْجُودَةِ؟الظلمُ نسَفَ جُسورَ الْمَحَبَّة، بدَّدَ أحْلاَمَ المُسْلِمِينَ؛ فِي هَذا الرُّبوع من السَّاحِل، وبَاتَتْ الأَسْئِلة حَزِينَة كالأَنِين؛ كَلِمَاتٌ تُمْطرُ السَّمعَ بمَوْج حَنِينِهَا، فَمَاذَا نقول للتاريخ؟ وماذا يقول التاريخ؟ عَادَتْ مَرْيَم إلى بَيْتها كَزَهْرَة ذَابِلَة تتَوَارَى، تُلمْلِم شَعَثَ غُرْبَتَهَا، تُوَزِّع رَذَاذ دُمُوعَ الفَرْحَة عَلَى العِيَّالِ، والآهَاتُ تَتَطايرُ كَالْجَمْر لتحْفَرَ مَجْرَى عَمِيقًا فِي الْجَسَدِ المَنْهُوكِ.

السابق
إنحناء باستقامة
التالي
العُتاة

اترك تعليقاً