القصة القصيرة

وَيَتَفَاوَضُ مَعَ الصَّمْت

يقول: إنه يَسمعُ بأذَنَيْه، ويَرى بقلبه ويَعرف ولا يحتاج إلى دليل،يلتفتُ نحونا و يقول: إنّه يبْحث عن مَحطة مَجهْولة، عن كلمَة غير مُزيَّفة، يَبتهجُ ويرفعُ صوته: أنا مازلت أُصْغي لحدِيث الرُّوح والقلبُ مُتلعْثِمُ، إنِّي أسْمعُك أيتها الكلمَاتُ البَهيَّة، لكن مَرَايَاه القزحيَّة مُكتظة بالغَمْغمة والشَّقشقة وهَسِيسُ الوَجْد، يا الهي أين تتجه الأحلام؟
1- عِنْدَمَا تَسْتَحْوِذُ الرُّوحُ عَلَى الجَّسَدِ تَأْخُذُهُ بَعِيدًا، ليبَحْثَ هَذَا الْكَائِنُ الْمُتقلب عَنِ حَيَاةِ جديدةٍ غَيْرَ الَّتِي أَلِفَهَا، يَتَفَاوَضُ الْجَسَدُ والرُّوحُ مَعَ الصَّمْتِ، وينْتَهِي الأمْرِ بِاسْتِجَابَةِ الْجَسَدِ اسْتِجَابَةً شِبْهَ مُطلَقَةٍ، وَيَرْحَلُ إلَى حَيْثُ يَبْتَكِرُ مَبَاهِيهِ الصَّافِيَّةِ، فيسَرَحُ بِأفكَارِهِ فِي مناخَات مُعتدلَة وسَمَاوات زَرْقاءَ، يتجوَّل في مباهج الطبيعة وجمالها الأخَّاذ، في صَحْرَاءَ قَاحِلَة يَجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ الرِّمَالِ والْحُقولِ، وَالْهَواء المُنْعِش الْعَليل، يَجِد ضَالتَه فِي الاعْتِزَال، كُلّ الرَّحَلاتِ هِيَّ فُرَصٌ تَسْمَحُ له بأن يُعمِّق مَعْرفتَه ويَكتشِف فضاءات لتوَاصل الأرْوَاح دُونَ حُجبٍ، تتماهى مع مكوناته ليتدثر بالجمال والهُدوء، ليتخلص من التكلس والرُّكود، من الخمول والإذلال، من القلق الذِي لا تُحصى مَعانيه، يئنُّ بأوجَاع السَّفر وثقل الحَقائب، يتصارع مع الفيَافي القفراء المُوحِلات المُمْهلات البَائسات، مع نُكران الشِّعَاب والودْيَان وتَسلق الرِّمال وتجاهل العَابرين له والمحطات الحزينة التي يمر بها كالطيف، كل هذا يُوقظ فيه ضَعْفه وَوَهنَهُ وقِلة حِيلتِه، تبعده المسافات عن عُهر الواقع وعَبثِه وقبْحِه وذلك الجُنون، تتقطع به السُّبل في قِفار مُوحِشةٍ، فيسعى حَثيثا، توجِعُه جراحَات اللحظات، يتعبُ ويتراخى لكن النفس تبقى مُطمئِنة، تصرُّ على مُواصلة الرِّحْلة.

2- ليس صُدفة أن يَمشي هُنا وحْدَه،لا أحدَ يعرفه ولا يَعرِفُ أحدًا، ولكم هو رائعٌ أن يمشي مُترنحًا ببعض أشعارهِ، والشِّعرُ وجْدانٌ، إنه في الصَّحرَاء، والصحراءُ ليست رمَالا فقط ولا واحات خضرَاء، ولكنها أشباحٌ وعَوالم خياليَّة، الصحْرَاء ذلك الخلاءُ الواسِع المُترامي الأرجَاء العجيب، تسأل كيف وصل الرَّجل هُنا؟حقيقة أن الانسانُ هُو القِيمة الكبرى وهو الذي يُعطي المكان وجوده،إنه يظهر التواضع والسَّماحة، الزُّهد والوقار، يرتدِي ثوبا أبيضَ مُرقعا وأحزمة تَتدلى، تقرأ في قسَمات وَجهه أنه يعيش في عَالم آخر، السيارة تقطع الطريق المُقفر تماما المُوحش، الرِّمال تتحرّك كالأمواج، تقذفه بفحيح حرها، إنه حافي القدمين، أشعَثُ الرَّأس، مُتورِّد الخدَّين، ابتسامَاته الذابِلة تعلو مُحيَّاه، مرايا الذاكرة تتكسر على رأسه، الكلمات تطفو على سطح الوعي، الشيبُ خطَّ لحيته وغلب على رَأسه، يُمسِك بيده حقيبة، وباليد اليُمنى عَصا، تبدو خطواته غريبة ساعيَّة إلى هدَف، الخلاء من حَوله مُقفر، الشوق يُحلِّقُ خلفه، والقلبُ في هيَّام، ومن باب الانسانيَّة الطافحة بالشَّفقة استأذنتُ صديقي أن نتوقف عنده، لعلنا نسْعفه أو نقدِّم له ما يُعينه على الصُّمُود..ناديته فلم يكترث لنِدائي، ترجيْته أن يتوَقف قليلا، يقول: إنه يَسمعُ بأذَنَيْه، ويَرى بقلبه ويَعرف ولا يحتاج إلى دليل،يلتفتُ نحونا و يقول: إنّه يبْحث عن مَحطة مَجهْولة، عن كلمَة غير مُزيَّفة، يَبتهجُ ويرفعُ صوته: أنا مازلت أُصْغي لحدِيث الرُّوح والقلبُ مُتلعْثِمُ، إنِّي أسْمعُك أيتها الكلمَاتُ البَهيَّة، لكن مَرَايَاه القزحيَّة مُكتظة بالغَمْغمة والشَّقشقة وهَسِيسُ الوَجْد، يا الهي أين تتجه الأحلام؟ يكفي أنها تلتقط الضوْءَ ومن ذاق عَرَف، قلت له:أنت مُنهك وجَائع عليك أثر السَّفر، استرِح قليلا وخذ مَا يكفيك من الطعَام والشرَاب،اسْتشعَر رَجْفة وخمَّن في الأمْر ثمَّ قال:ما عِندكم من الطعَام الحَلال إلاَّ المَّاء، ومَسك القرورَة وسَكبَ ما فِيها في جَوفه دُفعة واحدة ثم رمَاها بعيدًا وقال: دعُوني أغفو لحظات، جلسنا نَنتظرهُ لعله يَلينُ.. ومَا لانَ! لم يلبث أن فزع واقفا مذعورًا وهو يقول: مَا سُمي السكنُ سَكنا إلا أننا نسْكنه فيأوينا، وما سميَّ البابُ بابا إلا لأنهُ يَحْرُسُنا،البيوت صارت مُعلقة، سُكَّانُها يتمرَّغون على الأرصفة، يفترشون الجرائِد ويتوسَّدُون الكتبَ ولا يقرؤُونها، يشتغلون بطرد الذباب بتوْجيهِ الصَّفعات تلو الصَّفعَات إلى وجُوهِهم، ينتبهُ مُقهقها ويقول: من يُلازم الجُلوس أمَام الأبواب ويبسط رجله سِوى الكلب، كان الناس يرْحلون، طريقُ القوافل عِندهم مَعلوم، لكن الجِّمال هَزمَتها المَرْكبَات، كالْمَجَالس التِي هزمتها الهواتف والشَّاشات، حدَّق في الفراغ وقال:لا يَعرف السرُّ سِوَى مَن أخْفاه، وَأسْرَارِي هُنا وَضَربَ عَلى صَدْرِه، ثم استأنف السَّيْر ونحن نترجَّاه أن يركب فيرفض طلبنا بعنف.
3- مشينا إلى حال سبيلنا مُتأسِّفين مُتألمين، وبعد العصر دَخلنا مدينة {الطيبات}والكلماتُ تنسلُّ من الرُّوح كالوَجع، الشوْق يَعصفُ في القلب كالحَنين، ونحْنُ نَبْتلعُ حُروف الأسْئلة الحارقة وفي داخلنا انتفاضة، هل نتركه يَموت؟ لم يهدأ لنا بال، فعُدنا أدراجنا ننشده، فوجدناه على مشارف مدينة {تقرت} مُتعثرًا كليل الفؤَاد، يلهثُ عطشا وينشدُ ماء، في مكان ضجَّت فيه الأفكار والأفيَاءُ، توقفنا عنده وقلنا: نحن ضيوف في زاوية المسعود با المسعود، أتذهب معنا وتكون لنا دليلا؟ تنتفض النشوة في أوصاله، يَبتهِج وفي ملامحه سُؤالٌ ونشوةٌ وحُلمٌ: أجل..لستُ مَهزومًا ولا احتكرُ المجد، لكن يبقى الانسَان مُحافظا على سِرِّه، السرُّ الْحَامل الفرَح لا يَبقى سَجين مَخْبئه فحارسُه يبوح به، سأذهب معكم وأرْكبُ الدَّابَّة، تلكم هِيَّ المحطة التي كنتُ أبْحثُ عَنها، ولكن هل يُمكن حَمل جِذع نَخلةٍ داخل حَقيبة يدٍ، قلنا: هوِّن عليك أنت أكثر من هذا، أنت جِسمٌ وعقلٌ، أنت رُوح ومَشاعر، يَضحك ملءَ حُنجُرته ويقول:نحن نبْحَثُ عن الحُبِّ الذي فقدناه في الشمال،عن المَجالس التي كانت تجمعنا، وما إن استوَي جالسا على المقعدِ الخلفي حتى أخذ يُلوِّح بمنديله للمجهول. وصلنا الزاويَّة عشاءً، اعترض سبيلنا جمعٌ من الدَّراويش كانوا يَنتظرون، قفز من مقعده واعتلى تلة من الرَّمل، وزَّع عليهم المهام ودعاهم إلى الالتحاق بأماكنهم لحراسة المُدن، كان صارمًا وهو يقول: الذئاب خلف الحُدود يَتربصُون، لم ينبسُوا ببنت شفة،انطلقوا في الظلام الدَّامِس فرَادى كل إلى وُجهَته، يلتفتُ نحونا كأنه يسْتعطِفنا لفعْل شَيءٍ، وقد بدت عليه الدَّهشة العارمَة والإعيَاءُ،يمدُّ عُنقه والدُّموع تتناثر تسبقه ليقول كلمات لا مَعنى لها ثم يُفصح: هؤلاء عَسَسُ وهُم حُماة الوطن، يُحرِّك حقيبته ويندسُّ داخل العتمَة ليَختفِي، انطلقنا نبْحث عنه وللأسف كأنّ الرمال ابتلعته.

السابق
وقفة
التالي
العودة

اترك تعليقاً