القصة القصيرة

وَ الخَطأ قَدرٌ

و كما ألِفها المكان مِنْ أهله… ظاهرُها سُكون مخادع، و هدوء مُوارب، و باطنها شرود موغل في أيّام كانت و احتراق بين أيّام لن تكون، لا تيأس لا تَتعب مَهما نال منها النّصَب، أو عَرَضَ لها مِن وَصب… ليس يَرْدعُها حَـرٌّ، أو صقيع، كمَنْ شِعاره “الحُلم الواهم أفضل من اليأس”، حلمُهُ كقلعة مِن رَمل على شاطئ بحر هائج… و على أمل وصوله صباحا كما يهتف لها الهاتف كلّ لَـيْلة تَصْطبر على قسوة الانتظار في ذلك المكان… اتخذتْ مقعدا في رُكنٍ منه يضعُ محطّة الحافلات، و سيّارات الأجرة الـمـجاورة لها تحت الرَّصْد… تجلس، و نار الشّوق تتسعّر بين جنبيها من فرط البُعد، و الغِياب، تفرّ من وجه إلى آخر متلهفّةٌ عيناها إلى رؤية وجهه الرّقراق الذي شهِدتْ تبدّلات ملامحه عبر عشرين سنة… تَشْردُ فَـيَـتَـراءى لها يَـمشي الهُوَينى؛ فتَتَوارى في الزّحام، يُسرع إليها، يعانقها، تحضنُه، و يَغْدو العِناق، و تَبادل القُبل على الكَـفّين، و الجبين أرقى لُغات الفرح … يخفق قلبها، يتسارع نبضه، تَـميل كفّها ذات الـيمين و ذات الشّمال… تَـتَخلّل أصابعها وجهه.. و ما هو إلاّ الفراغ تلوّن يرسمه… تَعُود أدراجها إلى المقعد مَكسورة النّفس، حَسيرة البصر، تضْطَربُ كورقة بين عاصفة الذّكرى، و نسيم الحلم… تنسابُ عبراتها تَـشي ببعض وجعها يتقاسمها ما خطّ الزّمن على وجنتيها، فتمسحها بطرف خمارها… تَستأنف عيناها البحث بين الوجوه عن وجهه… تُـحَرّك أصابعها في الهواء للمرّة ما بعد الحساب تُعيد العدّ كَم مِن الدّهر مضى على رحيله؟ . تُنصتُ إلى الأصوات المتخاصمة بداخلها، تَضْطَرم في صدرها أسئلة ، و كلّ سؤال تنبجس منه أسئلة أخرى تحيِّرها، و لا تثنيها؛ هل تُراه تزوّج و نسيني؟، هل أصابه مكروه؟، أم أنّه …، لكنّه …هل تُرانا نلتقي، و نجدّد الذكريات ؟ أم أنّ الذّكريات ستتلاشى، و يَسْتحيل ظِـلُّها إلى أخرى للعذاب؟…
ليس في إقناعها بالعودة إلى البيت جدوى، و عبثا يحاول من يعرفها إصطحابها إليه؛ تحتاج إليه كاحتياج النّبْت للمطر، و تفتقده كافتقاد الرّوح للجسد، و تشتاق إليه عَدَدَ الأكباد على وجه الأرض… راقبَته يَكبر، علّمته الحروف الأولى، و الحساب، يوم دخوله المدرسة كان يوم فخرٍ لها… شارِدة الذّهن، موحش ما حولها تؤنسها الذّكريات ببراءتها، و شقاوتها. اختارت له اسما قبل خروجه إلى الحياة، خطّطت لمستقبله طويلا، حَلمت به رجلا شابّا، تخيّلت يوم زفافه مِرارا. نَـجيبا كان، و مجتهدا، تحصّل على منحة دراسيّة خارج الوطن… هاجَر و انقطع منه الخبر… تَصحّر قلبها احتراقا يقتفي ربّما أثرَ قُطرة غَيث تُـحييه… حتّى إذا ما أعلن الظّلام سطوته، و انقطعت الأقدام، و لفّ الشّوارع وحشة يغمرها الحزن، تعود ضّاوية الجسد مُكرهة خائرة القوى، تَـجُرُ كُلومها، و روحها مُعلّقة على المقعد في المحطّة، مُثْقلة بوجع خيبة يوم آخر، حزينةً تَسير تَئنّ من طَلْق، و مخاض، و جنين لم يُولَد… الحزن زوبعة بحجم المساحة التي نسمح لها به… يُلملم امتداد الأرصفة صدى أنَّـاتِـها، و ليست الطّريق تَعْبأ بِـمَداها إنْ هي إلاّ عابرة مِنَ العابرين… فرّ بها زوجها تاركا خلفه حقوله، و أراضيه يَـحْملُها تحت جناجه و ابنٌ وحيد ليس له أن يكون له شقيق بعد أن أخــــــــــطأ الطّبيب باستأصال رحمها بَدَل أحد مبايضها المتورّم، هرب بهما من قرية في أعلى الجبل حيث استشرى جحيم الموت أيّامَ العشريّة السّوداء، و صباحات الحزن، و الحداد الـمُعلن بلا نهاية… ينفخ الموت أبواقه كلّ صباح أنّي قادم مِن أرحامِكم!… جثث مُمَثَّل بها متناثرة بلا رؤوس ، أطفال يبكون أباهم، ثَكْـلى ترثي حبيبا… قرّر زوجُها آخرُ الـمُرابطين أن لن تطلع عليه شمسُ نهار في تلك البقعة المطعونة يومَ أصبحتْ عائلة جاره و قد أُبِيدت حتّى رضيعَها مُكوّمة في صحن الدّار كمشهد من “بورما”، فقط لأن ربَّـها حَـمل بندقيّة يصدُّ بها الطّاعون عن أهل قريته رُفِـعَتْ في وجه ” فرنسا” و سقطتْ مِن يد والده الشّهيد حين قدّم دَمَه ريَّا لتراب الوطن المتعطّش للحريّة… اشترى بيتا فوضويّا من غرفة واحدة في المدينة على عجل ريثما تعود الأحوال إلى سالف عهدها، لكن صدى نفخ البوق امتدّ إليه إذ دخلَ مُلثّمون بيته؛ ذبحوه على مرآى زوجته و ولده… اغْتالوه خــــــــــــــــطأ بَدلا عن جاره بالـجَنب ذلك البائسُ، الذي يعمل طبّاخا في قسم الشّرطة المركزي…
سراج آفلٌ و صدرُ ليلٍ موحش… تُوصِد صفيحـةَ بابها و تستلقي على فَرش رَثّ باردٍ؛ وسط صّمت رهيب تتحسّس صوت محرّك السّيّارة التي ستُـقِلُّه إليها، كم هي كثيرة تلك المرّات التي تخيّلت طرقه على الباب فتَهُبّ، و لا مِنْ طارق… يُناديها صوتٌ من الوهم: افتحي أمّــــــــــــــــــاه! فَــتَـــفِـــزُّ تَـتْرى… تُباغتها نَوْمة، تَسْرقها مِنْ عذابِـها واعية، إلى عذاب آخر عَذْبٍ فاقدةً للوَعي، تفوز بها منها… حُلُم لا يَكْتمل مشهدُه الأخير؛ بعد أن يهتف لها هاتف مِن لُدُنه: أنا في المطار على بعد ساعتين مِن تقبيل جبينك الدّافئ، و احتضانك إلى الأبد!… تَـهْرع تُـهيّئ له أجمل الفرش و أشهى الموائد، يَطرُق الباب و كانتْ ستفتح له لو لم تتسلّل أولى أشعّه الشّمس تَنْكُزُها من خلال نافذتها المهترئة تؤزّها أزّا، تَنْفُخ نَفَسا في هامة حُلم هَرِمَ منْ ويل ليلة هوجاء، تَفْزع من نومها كمن فاته منَ الدّنيا عظيم مَغنم، تَـفِـزّ يَلُوثُها طيفه، و يتلبّسُها… توصِد بابها، يَـلْوي ذراعها حُبٌّ وُلِدَ مُذ نَبَتَ قلبه بين أحشائها، تمضي لا حيلة لها، تسير تحدّث نفسها تحرّك يديها يمنة و يسرة، إلى وجهة لا تعرف غيرها منذ خمسة أعوام و نيف، مذ بلغها أنّه مات، و كَذَّبَتْ الخبر تَكذيـبـــاَ…
على ضفّة المستحيل يَرْكن حلمها، يؤجّج أوجاعها، يُلْغي كلّ الأحلام، يبيد طعم اللّذات يُـحيلها إلى مرارة… جَفَّتْ الدّنيا في عينيها إلاّ دنيا تَــرَاها في الأفق تجمعهما… لكن هيهات فكلّ يوم يمرّ يقذفها إلى بُعْد أبعد…
خُطى الأيّام تقودها إلى برّ حقيقة ترفض الاعتراف بها… النّاظِر إليها يُـقْحمه منظرها و إصرارها على التّساؤل؛ غريب قلبها؛ كَـفَرتْ بكلّ الأنباء… أتراها قويّة بالقدر الذي تبدو عليه؟… أَ صحيح أنّها لم يتسرّب إليها يأس؟… ما أعجب طينتها! ألم يخبرها حدس الأمّ أنّها لن تلقاه؟…
بين الممكن و المستحيل تمتدّ شعرة قد يقطعها غافل خـــــــطأ؛ وَعَدها أنّه سيصل، لكنّه أبدا لم يصل؛ قرّر العودة بعد عقد من التفاني في خدمة وطن لئيم مُستعار، سَرَقه مِن أهله، استفاق من غفلته كمن كان يُـــسَــرْنـــِم، إذ بُــلِّغَ بِـحال والدته… رَمَــوه بالرّصاص خـــــــــــــــطأ و هو يهمّ بإخراج تذكرة سفره مغادرا العمارة مسرعا يخشى أن تفوته طائرته، حين داهمتْ الشّرطة “حَيّ المسلمين” في عملية تمشيطيّة ضدّ المتطرّفين… ظلماً ظنّوه سيسحب سلاحا مِن تحت سترته… و لم تكن سوى قطعة ورق بخسة تُحَرّره، تُـجيز عبوره إلى وَطَـــــنَـــيْه، كان سيستبرئ بها…
ما زالتْ تَـــهرع بين الفينة و الأخرى حيثما يَتَراءى لها طيفه، إلى أن علا صوت أبواق السّيّارات… صاح المارّة، فَرْملّتْ سيّارة بأقصى ما يُـمكنها بَـعْد حينونة أجَلٍ قُــــــدِّر…دهَسَـتْها خطــــــــأ… رسمتْ العجلات أثرها على طّريق تَضَرّج بدماها، و هي تَعْبُره مُسفِرَة الوجْه ضاحكة مُستبشرة لتُعانق طيفه الواقف يُلَوّح لها على ضفّتة الأخرى.

السابق
غنيمة
التالي
الرّيح ُ والمرْكب

اترك تعليقاً