القصة القصيرة

يا نشء أنت رجاؤنا

المدينة كالحبيب الأول نتعلق به كلما كان وفيا لمشاعرنا وانتمائنا له ، فإن أحسسنا فتورا منه سحبنا أنفسنا من تربته بهدوء حذر حتى لا نخدش طيبته المستترة .. نغادر تربته لكن – أبدا لا ننساه لأنه يحفر في أعماقنا خندقا يعتصم به ، ويقيم في سراديب خيبتنا برجا عاجيا يحصنه ضد النسيان …
وكنت – منذ الوعي الأول – رهين مدينة طاعنة في التاريخ .. فتحت عيني على أنامل أمي وهي تبدع من خيوط ذهبية أشكالا في غاية الجمال والإتقان ، تثبتها على قطعة من القطيفة .. كنت أجلس إلى جانبها أرقب وفود النساء الوافدات على البيت وكل واحدة تتوسل إلى أمي أن تسرع في إنهاء عملها على ” قندورة الفرقاني ” لأن موعد زفافها قريب ، ولن تستطيع أن تتزوج بدونها ، ولا يكون لجهازها قيمة إذا لم تكن هي حاضرة على رأسه .. وتعجبت – مرة – لفتاة أجلت زفافها لأن أمي مرضت ولم تكن وفية للموعد الذي ضربته لها لتأخذ فيه ” قندورة الفرقاني ” .. كنت أتساءل بيني وبين نفسي : ” ما قيمة هذه الجبة التي تؤخر عرسا ، وتحبس زغرودة تعلن عن فرح قادم ؟ !!ما عمق هذه الجبة المطرزة بالذهب والتي تحرص عليها كل عروس في قسنطينة ؟ !!
منذ النشأة الأولى تعودت أن أفتح عيني على عزف متميز آت من الشارع ، وطرق يشبه النقر على بوابة التاريخ .. ألفتُ دقات النحاسين على القطع النحاسية لكي يحافظوا بها على وجه مدينة آيلة للتلاشي ، كانوا يبدعون أواني نحاسية مختلفة تنعكس في مرايا لمعانها فتنة عروس تتهادى فوق صخرة عتيقة ، وتتجلى في لونها الفضي أسطورة جسور تعتصم بها سيرتا فتحصنها ضد النسيان وتحفظ لها تألقها وتميزها عن سائر المدن .. بل كنت منذ صرخة الميلاد الأولى مرتبطا بالمدينة الحبيبة ” فقد أصر والدي أن يمنحني اسم ” يوغرطة ” .. جدتي سخرت من الاسم وكانت تريد لي اسم جدي ” إبراهيم ” الذي التحق بإخوانه المجاهدين في جبال جيجل ليحارب عدوا أراد أن يسلب هويتنا .. التحق بالعمل الثوري وترك أبي جنينا في بطنها .. عملياته الفدائية أرهبت العدو وجعلته مطلوبا ومطاردا أينما حل ، فكان يتحاشى الرجوع إلى البيت لرؤية ابنه الذي ولد في غيابه .. وسقط شهيدا في اشتباك مع العدو بالميلية ، ولهذا كانت جدتي تريد أن تؤرّخ لزوجها الشهيد في جبين حفيدها .. أبي حدثها أن يوغرطة – أيضا – عظيم ويحب أن يكون ولده في مثل عظمته .. اقتنعت جدتي فصمتت ، وعندما أراد أبي أن يجاملها خرجت إلى الدنيا باسمين لرجلين عظيمين ” يوغرطة إبراهيم ” .. هكذا أخبرتني أمي عندما سألتها عن سر هذا الاسم المركب الذي ناداني به المعلم عند أول يوم دخلت فيه المدرسة ..
خيبة أبي في أن أكون عظيما بدأت مع السنة الأولى في الدراسة .. عندما أعود إليه عند نهاية كل فصل بالدفتر وبرتبة تاسعة أو عاشرة ، كان يحزن كثيرا ، لكنه لم يكن يؤنبني ، ولا يضربني رغم الغصة التي كانت تخنقه وهو يقول لي ماسحا على انكساري أمامه : ” المرة الجاية إن شاء الله ” .. حينها أشعر بحزن أكبر من حزنه لأني عجزت عن تحقيق حلمه ، وأتمنى لو انه صفعني ليبدد بعض خيبتي .. كل المعلمين أكدوا لأبي أنني ذكي جدا ولا أحد في القسم يسبقني في حل مسألة مهما كانت معقدة ، لكن المشكلة في عدم قدرتي على الحفظ .. الحفظ يتطلب تكرار الجمل والعبارات ، وأنا لا أحب التكرار ، أحس أن الكلام يصبح فارغا إذا كررته ، ولأجل ذلك كنت أنال العقاب الشديد كلما تعلق الأمر باستظهار قصيدة أو درس في التاريخ أو الجغرافيا …
عندما انتقلت إلى السنة السادسة ابتدائي بالرتبة العشرين غضب أبي وصفعني لأول مرة وكأنه يقول لي : ” لن تكون في عظمة يوغرطة ولا في شموخ إبراهيم ”
كانت هذه الصفعة الأولى التي أيقظت إدراكي على حقيقة ثابتة وهي أن الذي لا يحفظ تاريخه لا يبني مستقبله ، وأنّ الذاكرة تتخرّب وتتعفّن إذا لم تحتفظ بما تستقبله من أحداث ومعلومات .. وكانت الصفعة الثانية من أستاذ اللغة العربية الذي كلفنا بحفظ قصيدة ” شعب الجزائر مسلم ” للعلامة عبد الحميد بن باديس . هوى بكفه على خدي الأيسر فمالت الدنيا من حولي وتحركت الأرض تحت قدمي ، وأرعبني صوته وهو يصرخ في وجهي :
– أعد كتابتها عشر مرات ، وإذا لم تأت بها غدا ستعيدها مائة مرة .

وشرعت في تنفيذ عقوبة معلمي بعد عودتي إلى البيت .. كانت صورة شيخنا على الصفحة المقابلة للقصيدة .. نظرت إليه .. أحسست ملامحه السمحة يدا حانية تمتد إلى ضعفي وتمسح على خوفي ، وخُيل إليّ أني سمعته يحدثني بصوت معلم حنون : ” لا تخف يا ولدي ، سأعينك على حفظها ”
ورحت أنسخ القصيدة برغبة لم أعهدها من قبل ، ومن حين لآخر أرفع رأسي إليه وأنظر في عينيه وكأني استعين بقوتهما على ضعفي .. وعندما وصلت إلى جملة ” يا نشء أنت رجاؤنا ” سمعته يهمس لي : ” يا نشء أنت رجاؤنا ” .. أحسست أنه يقصدني ، وأنني الرجاء الذي ينشده ، فسرَت في جسدي الصغير حماسة غريبة ، وأنهيت كتابة القصيدة .. وفي الإعادة الثانية اكتشفت أنني حفظتها ، فرحت أعيد كتابتها دون أن أنظر إلى الكتاب .. شعرت بنشوة كبيرة ، فلأول مرة أستوعب قصيدة وأحفظها بسهولة وسرعة .. ابتسامة المعلم كانت عريضة وهو يسمعني أرددها أمامه دون تعثر ، ومن حينها استيقظت عندي ملكة الحفظ وقررت أن أحقق رجاء شيخنا ورجاء أبي الذي كانت سعادته كبيرة وهو يحضنني بدموعه الحارة عندما وصلته دعوة لحضور حفل التكريم الذي سيقيمه والي الولاية على شرف المتفوقين .. وكنت على رأسهم والأول على مستوى قسنطينة ..
……………………………………
إيه .. أيتها الذاكرة المعطوبة ..
كم يلزمني من العمر لأنسى أني عشت داخل مدينة تسكنني ولا أسكنها .. مدينة كنت أحس أن حبي لها يكفي ليجعل مني أحد أعيانها ورمزا من رموزها ، لكني اكتشفت أني مجرد رقم في المليون أو المليونين يُضاف إلى جموع الشباب الذين يتكئون إلى حائط خيبتهم ، ويسندون ظهورهم إلى حبال جسورها التي تهوي بأحلامهم ..
………………………………………..
إيه .. يا شيخنا الجليل ..
كم تعبت لأحقق رجاءك ، وحرصت على أن أكون من الأوائل وفاء لملامحك السمحة التي ظلت تلازمني ..
في الجامعة كان زملائي يسخرون من اجتهادي الطفولي ومواظبتي التي لا تكلّ ، وعزوفي عن كل ما يشد الطلبة ويلهيهم عن حضور المحاضرات .. صديقي عمار كان يدغدغ مشاعري وقلبي الساكن إلى صمت طويل ، ويقول لي مازحا :
– أما زلت على زهدك في الجنس اللطيف ، أم أنك تنتظر فتاة تأتيك من كوكب الأحلام !
وكنت أجيبه مبتسما :
إني أبحث عن فتاة ترقص على فرحي ب ” قندورة الفرقاني ” وتحزن لوجعي بملاءة سوداء تكون لباسها العمر كله !!
آه .. يا شيخنا .. لو تدري كم تعبت حتى تخرجت من الجامعة بشهادة مهندس دولة كي أحقق رجاءك ورجاء وطن فشل في تحقيق حلم الوظيفة التي تحفظ ماء وجوهنا ..
عشر سنوات منذ تخرجت بشهادة جامعية وبتفوق صفقت له أجنحة المدينة احتفاء بنجاحي ، لأجد نفسي منبوذا ، مهمشا بعد أن فشلت في إيجاد وظيفة تمنحني من الكرامة ما يكفي لأعيش شامخا .. حاولت أن أقاوم يأسا جبارا فعملت أجيرا في مقهى ” نجمة ” ثم في متجر .. ثم في مطعم ، وعملت بناء في المدينة الجديدة ، وكم كان الألم يستبد بي عندما يصرخ في وجهي المهندس المكلف بالإشراف على العمارات التي أرفع قواعدها وأبني سقوفها .. لكن اليأس انتصر ..
الآن .. أقف على جسر سيدي راشد أتأمل مدينة محمولة على صخر عتيق ، فأحسها عروسا تتهادى في هودجها الذي يحملها إلى عرش يليق بهامتها ، وأنا متيم أتعقب ظلها الذي يمتد في الأرض ويعانق لهفتي وحبي لها .. أنا العاشق الذي يقتفي أثر ابتسامتها التي تخلفها وراءها لتغزل بها شعيرات بيضاء بدأت تغزو مفرقي ، وتعلن عن شيخوخة مبكرة ..
الآن .. أحس أن أحلامي هوت ، والفرج ترنّح وسقط متدحرجا على الصخور المتراصة أسفل الجسر ، ولم يبق إلا هذا الجسد الخاوي .. الفارغ من كل الرجاء ، لم يبق إلا صوت صديقي يدغدغ يأسي : ” الحرقة يا صديقي .. الحرقة هي المخرج الوحيد لليأس الذي يحيط بك ، فالشهادة التي تحملها تساوي هناك الكثير “

السابق
الشياطين تتعوّذ
التالي
نُباح مُباح

اترك تعليقاً