القصة القصيرة

يوم.. عيد السينما

وَالدي رحِمه الله عسْكريّ خَدمَ في الجيْش الفرنْسي لمّا كان بلدُنا المغْرب مُحتلاًّ، يأتي الحَاكم على “بيرو أعراب” معَ حشْد من العَسْكر وينْتقُون الشّبان الأقْوياء اليَافعِين للالتِحِاق بطابُور”الكوم” طوْعا أو كُرْها، يفتحون أفواههم كالعبيد ويتلمّسون عضَلاتهم ورجُولتهم.. الصّغار في السّن منْهم يتِمّ رفْع أعْمارهِم سَنوات ليسْتوفُوا العُمر المَطلُو، ومن يرفض يدفع عنه أبوه أتاوة باهضة ويوسم بصفة الهارب من التجنيد، يحبس ويصير”ترّافا”خادمًا في ضيْعات النّصَارى أو في بُيوتِهم ويُسام صُروف العَذاب.. الآخرون يُبعَثون كَطرُود في بَواخِر إلى حيْث لا يَعرِفون. كَثيرٌ منهم اسْتُعمِل كآلة لتَفْجير الألْغام وفتْح الطّريق للكتيبات المجَوْقلَة لتمُرّ، كما لمّح لي أبي مرّة، وقبْلها يعْطونهم حُقْنة في الوريد سَألتُه ما الحُقنة؟ فغيّرمجْرى الحَديث. لاحَظْت بَعد أنْ صِرت أُميّز أنّ جُل أصْدقائِه من المُحاربين القُدامي الذين يُشاركونَه لُعبة “الضّاما” أو الورَق، بقدم واحدة أو “بمؤخّرة الجرّة” قُساة غِلاظ القُلوب وبِهم بعْض من جُنون، لكِنه هو بَقَي طيّبا بَشوشًا، حسَن المَعْشر لم يكتسب فظَاظة ممّا لاقَاه مِن أهْوال في بِقاع الهند -الصينية، جَميل الطّلعة، غَزير الشّعر، أبْيض مُشرّب بحُمرة، حامل للقرآن وفقِيه، له الفضْل الكبير عليّ في حُبي الجَم للقرَاءة ومُصاحَبة الكِتاب، يعْتبرُني إبنا له ويكلّمني كصَبي لا كفَتاة، عندي سرّه ولديْه سرّي، وكما يُحب الكُتب يعشقُ السينما حدّ الهَوس وجَعلنا نحبّها أيضا.. يقول أنّها تُصوّر له ما يُكتب على الورقِ ويسْتشْهد بشمْشون ودَليلة الذي قرأ لنا قصّتهما وشاهَدنا الفيلْم، وكُل أحَدٍ يوْم عِيد السنيما عندنا كما أطْلقنا عليه، نذهب في الفتْرة الصّباحية التي تبْتدىء في الثّانية ظُهر، تغذّينا الوالدة جيدا، ثَريدا أو كُسْكُسًا أو عَدسًا بقدّيد حتى لا يجُوع أحدُنا ويطْلب أكْلاً، فما يخصص لهذه التّسْلية بالكاد يكْفي ثمَن الفُرجة وبعض الكماليات المُبهِجة.. ونحن في طًريقنا إلى سينما أطْلس بمدينة بني ملاّل نُشكل تقْريبا فريقَ كُرة قدَم إلا نفْرين، أمي وأبي ونحن السبعة، أربَعة ذكُور وثلاث إناث، أنا أكبرهم.. نسيت أن أشير أنه يهْوى مشْروب الكولا كولا أيضا، نمُرّ على مقْصف، فلا حوَانيت أو دَكاكين تَبيع آنذاك في الستّينيات مشْروبات غيْر المقاصِف.. يدْخل ويعُود محمّلا بثمانِ قَناني من الحجْم الصّغير جدا، سود مفْتوحة خارجة رغْوتها وفائضَة على جِلبابِه الأبْيض، من شدّة حبي لهذا المشْروب الجَديد عليْنا، أعُبّه عبّا بسُرعة تَجْعلني أخْتنِق وأكُحّ، ويخْرج من أنْفي وأبقى مَحلّ سُخرية ظَريفَةٍ لإخوتي.. الحقّ يُقال أنه كان مشْروبًا راقيًا مركزًا تُحِسّ به ينْزلقُ في البُلعومِ كشُعلة نارٍ، ليس كالميّاه المُشبَعة سُكّرا ونكَهات لا طعْم لها التي يدعُونها كوكا في أيّامنا هاته ويُمَطْرِقونا بالإشهارات حوْلها حدّ القَرف.. نسْبق أبي إلى بَاب سينما “أطْلس” المُفضّلة على سينما “فوكْس’ القريبة من محل سُكنانا فلا يرْتادها سوى السّكارى والعُشّاق. أطْلس كبيرَة ونظِيفة وكراسيها مُريحَة.. يتأخر عنا وقتا غير قصير ليُعيد الزجاجات الفارِغة، يستردّ الضّمانَة ويدخن سيجارة أو اثنتين.. التدخين آنذاك لم يكن ممْنوعٍا بصَالات العرْض لكن رائِحة سَجائر “الفافوريت” أو “كازا سبور” تُزعِج أمي ولا تتحمل رائحتها الشببهة بالضّرط كما تقول متأفّفة.. يتوجه إلى الكُشك ويشْتري البطاقات وندْخل جَذلانِين إلى صَالة السّحْر، ننْتظر الفيلم الأوّل وغالبا ما يكُون هنْديا، والدتي تسْتملحُها كثيرا وتسْتمْتع بها وتحْكيها لجارَاتنا غير محْظوظَات مِثلها لما تعُود.. قبْله تعْرضُ إشهارات “التيد وزيت لوسيور” وأخبار كما في التلفزْيون الآن ومن خِلالها عرفْنا لوْن البحْر ومعالمَ الرّباط عاصِمتُنا وتعرّفنا على وجْه ملِكنا.. مر الفيلم الهنْدي بسَلام لم تتخللْه إلا قطعات قليلة في الشريط القَديم المُستهْلك استدْعت صَفيرا قويّا مسْترسلا وقرْقعة كراسي وبعض الشّتائم “وا الميكانو… وا مسْخوط الوالدين”.. ملّحْنا حُلوقَنا ببُذور القرَع ودوّار الشمْس في فتْرة الاسْتراحة وعُدنا.. الفليم الثاني لم يكن شارلو أو قصّة حب أو درَاما، بل عن الحرْب، لا أذْكر أيّتها فكلّها تتشابهُ، دماء وحرائق وتقْتيل ودمَار، الصّمت مُطبق على الصالة كأن على رُؤوس المتفرّجين الطّيْر، لا يُسمَع إلا أزيز الطائرات وفرْقعة القذائفِ وصُراخ الجرْحى والمُصابين. ثمّ… حدَث شيءٌ لم يكن في الحُسْبان، أبي ينْتصِب ويبْدأ في سَرْد أحْداث الفيلم كأنما هو مُخرجُه، مغمَض العينين ويرْتجِف كسَعْفة في مَهبّ الرّيح.. الآن ستسْقط قذِيفة على العشْرة رجال المحْتمين هناك تحْت الشّجرة الكَبيرة.. ستخْرجُ أحْشاءُ الكابورال.. الجندي سيُمزّق سَترته ويلُفه بها ليعيد مصَارينه إلى كرْشه.. ستَعود الطّائرة لتمْطرَهم ويسقُطون في المياه الآسنة.. أنْظُر إليه ثُم إلى الشّاشة العريضة فيلم ينْطق وفيلم يمُر، أمي لم تعْرف ماذا تفْعل تجُره من كُم جلبَابه فيبْدأ في الزّعيق، أنقِذونا.. مايْدي مايْدي.. ألْفا بيتا ألْفا.. مَن خلفَنا يصْرخون عليه أن يسْكت ويقْعد ولا يُعيق الرّؤية، لكنه بقي يتكلم.. سنمُوت جميعا.. أومِيغا أومِيغا أجِبْني أجبْني وترُد عليه الشّاشة.. أوميغا أوميغا أجبني.. تشْتعل الصالة جَلبة وعَجيجًا مستنكِرا.. أمي تخْلع إزارَها وتلْقيه على وجْهه وتُحاول أن تجْعله يجْلس، لكن يبدو كأن عِفريتا تلبّسهُ وصار في قوّة عشْرة أنْفار، ويستمر ووجهه مغطّى يرْفع يديْه بالإزار.. المظلّيون وصلوا أبشروا.. التعْزيزات في السّماء إليكم.. أبشروا.. يقطع البثّ وتُنار الأنْوار، تلتقي عيونُنا الصّغيرة المفْزوعة مع العشَرات من العيون الغاضِبة والقبضَات المُهدّدة.
نتأبّط ذراعي أبينا الذي يظْهر أنه في شِبه غيْبوبة وصَار ثقيلا، العرَق الغَزير يتقاطَر من جبِينه الأبْلج والدمع ينْسكب مِدرارًا من عيْنيه ..”جرْجَرنا وجرْجَرناه” لنخْرج وقد انْتابَني شيْئا لم أقْدر على تفْسييرَه ولا فهْمه.. إخوَتي يبْكون وأمّي مُمتَقعة اللّوْن تحْضن أخي الصّغير وتُلقمه ثدْيها تسكتُه، بدُون إزارٍ وصدْرها مُنكشِف للعَراء والعُيون.. عَجِبتُ كيْف أنّني بقيتُ متماسكةً وأنا أُسْندُ والدي إلى سَارية وأجْري لآتيه بماء، أرُشّ وجْهه وأخلّل شعْره بأصابعي، أدلّك عُنقَه وأطبْطب على ظهْره ليسْتَعيد نفسًا انحَبس.. يسْتفيق و البسْمة تُونِعُ على ثَغرِه، ينظر إلينا كأن شيئا لم يحدُث وقال:
ـ الفيلم كان رائِعًا أليس كذلك؟.

السابق
المجهول
التالي
قصة حياة

اترك تعليقاً