الخاطرة القصيرة

ﻋتـــب

ها أنا..
ما زلت أجلس هناك.. عند رصيف الخسّة والخيبة والرجاء. ﻃﻔﻠﺔ شاردة ﺗﻨﻬﻤﺮ الدموع ﻣﻦ ﻋﻴﻨﻴﻬﺎ ﻓﻲ جحوظ المحروم، تزغرد.. تبرق.. ﺗﺘﺠﻤﺪ ﻓﻲ ﺷﺮﻳﺎﻧﻲ، تعود لترسم بسمة بلهاء..
مازلت أقصد ﺳﻤﺎﺣﺔ العابرين، أقضم من أيدهم المغلولة جزءا ﻣﻦ حنان، أستدر ﻣﻨﻬﻢ عطفا مكسور البسمة معوج الشفة..
طورني المطوّر، وفي الليل سكب على جسدي سحر النماء، وأصبحت أنثى تصلح لكل الرجال العابثين، وكل الغلمان النائمين بجواري على نفس الرصيف..
ﻛﻠﻨﺎ ﺑﺄﻃﻔﺎﻟﻨﺎ ﻧﻠﻬﻮ ﺗﺤﺖ ستر هذا الكوبري العتيق، لا أحد منهم يرانا بأطفال المتعة والخدر والشقاء والتعب، ﻧﻨﺠﺐ أنفسنا ﺑﺄﻧﻔﺴﻨﺎ مع أول طلقة بلوغ ﻧﺤﻤﻞ، وننجب، ونتكاثر..
ابنتي تشبهني كثيرا، ولا تشبه أحدا من أبائها، شعرها الذهبي الأشعث بالفطرة، وعيناها الواسعتان بسواد ألق ﻏﺮﻳﺐ، يقوّم حرمان بحروف مكسورة ﻳﺤﺒﻮ ﻋﻠﻰ ﻣﻘﻠﺘﻴﻬﺎ.. ﻳﺘﻬﺠﻰ السطوع، ووجنتان بيضاويتان ﺗﺠﻠﻠﻬﻤﺎ حمرة تشبه الترف، ربما غليان الحاجة ﻳﺸﺐّ طوره ﻓﻲ ﺟﺴﺪﻫﺎ الصغير، ﺗﺴﺘﻔﺰﻧﻲ، ﻗﻠﻴﻼ ﻣﺎ ﺗﺒﻜﻲ، دائما ﺑﺎﺳﻤﺔ.. ﻋﺠﺒﺎ!
الجنس والمخدرات عادة ﻳﻮﻣﻴﺔ ﻓﻲ ﺷﺮﻋﻨﺎ، ﻳﺤﻠﻮ ﺗﺠﺮﻋﻬﻤﺎ ﻗﺒﻴﻞ الفجر ﻟﻴﺠﺬﺑﺎ النوم اللذيذ، ﻻ ﻧصوم ﻋﻨﻬﻤﺎ ﻳﻮﻣﺎ واحدا، ﻏﻴﺮ ﻓﻲ النادر القليل ﺣﺘﻰ ولو أصاب أحدنا المرض..
زوجي الصديق أقرب أزواجي إلى ﻗﻠﺒﻲ وأكبرهم ﺳﻨﺎ، ﻳﻔﻜﺮ ﻓﻲ الفكرة ﻧﻔﺴﻬﺎ، ﻋﻨﺪﻣﺎ ضرب رأسينا الخمر الذي ﺳﺮﻗﻨﺎﻩ ﻣﻦ تبلوه السيارة الفارهة ﻧﻔﺴﻬﺎ.
ﻛﻨﺖ أضحك ملء صدري على الكورنيش، وتركت شعري الذهبي للهواء، وزوجي المخمور يطير بالسيارة، واﺑﻨﺘﻲ ﺗﺸﺎﻫﺪ اﻟﻌﻤﺎﺋﺮ اﻟﻌﺎﻟﻴﺔ، والأﺷﺠﺎر ﺗﺘﻼﺣﻢ ﻣﻦ ﻧﺎﻓﺬة السيارة، وﻫﻲ ﻓﻲ ﺷﺮود ﺑﺴﻤﺔ الكبار..
ﻛﻨﺎ ﻗﺪ اﺗﻔﻘﻨﺎ ﻋﻠﻰ الهدف، أن نقذف ﺑﺄﻧﻔﺴﻨﺎ ﻣﻦ فوق الكوبري ﻋﻠﻰ اﻟﻨﻴﻞ والسيارة ﻓﻲ آﺧﺮ ﺳﺮﻋﺘﻬﺎ، أو ﻧﻌﺒﺮ ﺑﻬﺎ ﺣﺪود ﻟﻴﺒﻴﺎ، وﻧﺒﻴﻌﻬﺎ ﺑﻨﺼﻒ اﻟﺜﻤﻦ ﻋﻠﻰ الحدود.
ها أنا أراها وأﻧﺎ ﻧﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﺳﺮﻳﺮ اﻟﻤﺸﻔﻰ، مبتورة الساق عمياء، وزوﺟﻲ ﻟﻘﻰ حتفه، أراها ﺑﻤﺨﻴﻠﺔ رأﺳﻲ، وﻛﻞ العابرين ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ الصفوة يركلونها ﺑﻨﻈﺮات ﺗﻤﺜﻞ الرحمة، وﺗﺘﺮﻛﻬﺎ وﺗﻌﺒﺮ ﻗﺒﻞ ﻧﺎﻇﺮﻫﺎ، ﺣﻴﺚ ﺗﺄﺗﻲ آلاف اﻟﻠﻴﺎﻟﻲ، ومئات سياط من الخدر والتيه، وتنجب الأولاد أولادا، تملأ الشوارع ﻓﻲ ﻟﻴﻞٍ ﻳﺨﻴّﻢ ﺑﻬﻴﻢ..

السابق
مِثَالٌ
التالي
عالم

اترك تعليقاً