مقالات

التجريب الروائي والخط الأحمر

عد أن هيأت الساحة الأدبية العربية ساحة الشعر ليغزوها من هب ودب وتتراكم فيها النصوص المنسوبة إلى الشعر حتى اختلط الحابل بالنابل – مثلما يقول المثل الشعبي- وفقد الشعر وهجه القديم وتناسل «الشعراء» بشكل فوضوي حتى اختفت التجارب الشعرية الجيدة وراء أكوام القصائد الزاحفة على المطابع والصحف وصفحات التواصل الاجتماعي، يبدو أن الدور قد جاء على الرواية. حيث لاحت تجارب مختلفة يصر أصحابها على أنها روايات مستندين إلى مشروعية يتيحها التجريب الروائي وهو نوع من الوهم في حقيقة الأمر ومدعومين بتواطؤ نقدي من طرف نقاد لا يجرؤن على الرفض وكشف الحقيقة وهي قضية أخرى..
كان التجريب خيارا انتهجه عدد من الروائيين العرب مثل الياس خوري ومحمد برادة والطاهر وطار وصنع الله إبراهيم وغيرهم من أجل تجاوز النمط التقليدي للرواية العربية وقد تسلل هؤلاء وغيرهم إلى المنوال الروائي العربي وتداولوا على هدمه في مستويات الحكاية والخطاب وأحدثوا بذلك رجة نقدية وقدموا نصوصا متكاملة وثرية ولذيذة وعميقة الصنعة الأدبية…فليس التجريب الروائي مجرد لعبة هدم وتشويش لمقومات النص الروائي بل هو نسج لنص سردي متعدد الأصوات والحكايات والخطابات واللغات واللهجات والمواقف…انه تمكين للقارئ من طبق سردي متنوع ولذيذ وطريف ومثير وهو ما لا يتقنه أي كاتب. فتجاوز مقومات الرواية في النصوص التجريبية ليس تركا للفراغ ودفعا للإقرار بانتماء كل كتابة سردية طال عدد صفحاتها إلى عالم الرواية.
لكن يبدو أن بعض الأقلام استسهلت الأمر وتخيلت أن القبول بالتجريب هو فتح للباب على مصراعيه لدهس مقومات الرواية باختلافها وهو ما يعني أن كل كتابة سردية بلا مقومات روائية يمكن أن تنضوي تحت مظلة التجريب وتتمركز في المدونة الروائية وهو ما يدفع للقلق حول راهن الرواية ومستقبلها ويوحي أن ركاما من هذه الروايات الضعيفة يهدد لذة الرواية وهيبتها…
فالتجريب الروائي ليس مجرد هدم …انه بناء جديد للنص الروائي وفق أسس تثريه وتنشطه وتفاجئ قارئه وليس حالة إفراغ للرواية …إننا أمام تناقض ظاهري فنحن نقبل هدم مقومات ونرفض المساس بأخرى، ونحن نتلذذ روايات مارقة ونرمي بأخرى مارقة مثلها عرض الحائط تقززا، ذلك أن للتجريب الروائي خطا أحمر لا يجب تجاوزه حفاظا على الصلة بالنوع الأدبي للرواية…ولعل تجاوز الحكاية من علامات هذا الخط…فالحكاية مكون أساسي من مكونات الرواية ولا يمكن تصنيف نص ضمن الرواية ما لم تتوفر حكاية يرويها راو أو رواة، وما لم تتوفر في الحكاية ذاتها البنية الحدثية والمكونات السردية التي تشكلها وتبنيها…
فالتجريب الروائي يشمل الحكاية ويتيح العبث بها وبعثرتها على مختلف المستويات والتصرف فيها بطرق مختلفة لكنه لا يتخلى عنها، فالروائية تغادر النص الموسوم برواية إذا كان بلا حكاية وإذا كانت الحكاية ذاتها بسيطة الأحداث والمخيال.
ان الرواية التجريبية تهدم مقومات الحكاية ولكن لا تقتلها ولا تغتالها فهي تضبطها من جديد وتحافظ على سرديتها وثراء أحداثها وتحتفي بكل المكونات مثل المكان والزمان والشخصيات بتركيب جديد…ولعل كل كتابة سردية تغيب هذه المقومات لا تستحق أن تصنف ضمن الرواية…قد تكون مجرد نثر أو تداعي حر وقد تكون جنسا آخر ولكنها لا يمكن أن تكون رواية ولا يمكن لصفة تجريبية أن تمتعها بحماية حتى تنضوي تحت هذا الجنس الأدبي.
ولا تكتمل صفة التجريبية بمجرد هدم الحكاية وإعادة تركيبها بطريقة مغايرة وإنما يتعين أن يتضمن النص الروائي تجريبا في مستوى الخطاب يمس نظام السرد واللغة وينوع الخطابات والمقامات.
وخلاصة القول أن التجريب الروائي له حدود لا يمكن تجاوزها ولعل أهمها يتعلق بالحكاية أو القصة التي يدور حولها النص الروائي فهي ضرورية لإثبات انتماء الكتابة إلى عالم السرد والرواية وليس للكاتب إلا إعادة تركيبها أو سردها بطريقته المتفردة التي لا تعدم لذة الرواية.

السابق
تقنية الميتا سرد في بعض قصص محمد فرّي
التالي
إرث

اترك تعليقاً