اليَــوم أنَا عَارضَة أزيَــاء مشْهُورة ،هيْفــاء القــدِّ جمِيلة ، ببطْن مُسطّح أسْطُوري ، بشْرتُه صَافية، لا يُشبه أيَّ حيَــوان ، كمَا قالَ طبيبِي النَّفسِي ، مؤكِّدا أنَّ بطْنِي يشْبهنِي … طبْعا حصَل هــذا بعْد عمليَّات تجْميل كثِيرة وتنْحيف ، بعْتُ لأجْلهَا كلَّ ما وَرثتُه عنْ أبِي منْ عقَــار ونخِيل ، ودفَعت أيْضا أشيَاء أخْــرى ثمِينَة (…) ، الشَّيء الأَوحَــد الذِّي حصَل ولــمْ أنْدم لاحِقًا عليْه ، هُــو أنِّي تخَّلصت مِن عقـَـدي القديمة ،أوَّلها مُعايَرة أختي ” مَريم ” لي ” ببَطن النَّمر ” ، فكُلما أرادَت التَّقليل مِن شَأني أمَام رفيقَاتي ، ترفَع ثَوبي عَــن بطنِي عنْوة وتقُول ” اهْــربُوا نمِر هُناَ سيلتَهمكــم هَمممممْ” ، يغْرق الجَميع في ضحِك هستِيري ، وأغَادر أنَا للبيْت بَاكية مسَائلة :
– لمَ وكلّ الأطْفال ببُطُون مُخطَّطَة ، لا يَرون سِوى خُطُوطِي ؟!
الكلّ سكِّين الكيّ تمرّ علَى بطْنِه ، لمَ أنا خطُوطي عنْدهُم مُشكِلَــة ؟؟!
همسَت لِي صَديقتِي ” منى ” بعْــد الحَادثَة ، أنَّها ستُوافق علَّى لَّعِبي معَهُم ، لو اسْتخْدمت بطْنِي (سبُّورة )!!!! .
كبُرت الخُطوط مَعي ، ظلت مُلتصقَة بجسَدي واضِحة كمَا اللَّعنَة ، ومَا إن امْتلأ جسْمي وصِرتُ كَالـ( بقَــرة ) بعيْن أمِّي ، تَوالدّت تلْك الخُطوط البُنِّية خُطوطًا أخْرى بيْضَاء ، أيّ نحْس هَــذا الذِّي ضَاجعَها!! ، طبَيب التجْميل الخاصِّ بِي ،فيمَا بعْد طمْأنني أنَّها أثَــر السِيلولِيت ، في حِين أنّ أخْتي ” مريم” رَأتنِي قَــد تحوّلت من ” نَمـــر” إلَى ” شِرشْمانة ضَخْمة ” ، بينَما أبِي ظلّ يَــراني ( الدبّ ) الجَميل ،حتّى بعْــد أنْ تغيَّرت تقَاسيمِي وتَفاصِيلي ، مِن كَثْــرة عمَليَّات التَّجمِيل ، التِّي لَـم أعُـد جرّاءَها أشْبه أمِّــي أوْأشْبهُه .
فِي قريتِنا يُعــد الكيّ أكثَر وسَائل العِلاج والتَّأديب شُهــرة ، فمَع كُلّ إشْراقَــة صبْح ، هنُاك مَــوقِــد بأحَد البُيــوت يسْتعِدّ لرِحْلة التَّعذيب وسِكين مُتآكلة تتَربَّص ، مُتمَوضِعة بأحَد جَوانبِه ، تنَام بصَمت التَّمَاسيح بمِقبَض فَي الثّرَى ونصْل بالنَّار ، تنْتظِر عمَلها الاعْتيَادي ( صَهد نَار وجسَد طفْل لتُحْرقَه ).
الأطفْال فِي قريَتِي لا يصْحون كمَا أطْفال العَالم ، كلّ طفْل ينْهَض كمَاللصّ ، ينْزَع الغطَاء عنْه برفْق ، يمْشي الهُــوينا ، تستَطيل حدَقة عينِه ، لتَلتصِق مبَاشَرة بالمَــوقِد تُجْـري لَه فحْصًا دقيقًــا ، إن ثبت أنَّ بِه ثَــرى ، حمَل ساقيْه وثيَابه وهَــرْول للوَاحَة ، وانْ لَــم يجِد بهَا شيْئا ، تثَاءب بصَوت عَال وصَرخ :أرِيد خُبز الرُّقَّاق الآن … حتَّى الأطفَال تعايَشوا مع الوضْع و صَاروا يتلّوَّنُون كمَـــ(الحِربَاء) حسْب سكِّين الكيّ فِــي حضُورهَا وغيَابِها بالمَــوقِد ، فمرَّة يكونُون الجَلاَّد ومرّة الضّحيّة .
أمّي تَــرانِي الشَّقية الوحِيدة ، برُغم تَــزِّينة الأوْلادِ التّي أنْجبَتْها ، ولأنِّي نحيفَة فهِي تعُــوز ذلكَ لمَرض فِي بطْنــي ، أو ربَّما لأنِّي صيْــد سَهْــل كَوني لا أُجِيد الهَرب ، لذا تُعَــالج اخْفاقَاتِها فِي الإمْسَاك بإخْوتِــي بِي ، فــ “مريم” كَانت رشيقَة سَريعَة ، “الأخْضر” مُناور بَارع ، لا يمْسكون في الغَالب سِوى بقطْعة مِن ثيَابِه ، بينمَا ” مصباح ” مُدهِــش في سُرعَة القفْــز علَى الجِدَار وربَّما نَالوا مِن أثَــره سِوى حِذَاءه … لذَا كنْت الضَّحية التِّي لا يمٌرّ أسْبُوع إلاَّ وسِكينٌ تعَانِق بطْنًها …”عمِّتي لامِعة ” المُتمَرِّسَة فِــي الكيّ، تتفَنَّن فِي رسْم الخُطوط ببَطني بتًؤدَّة دُون رحْمة ، غيْر آبهة بصُراخي وتوسُّلاَتي ، ولا حتَّى لعيُون الصِّبيَة الفضُولية الفَــزعَة ، التِّي تجَمهَرت لتشْهد الحَـدثَ ، فيُرسَم بذاكِرتهِم الفتيّة دوْريًّا طَريق جَديد للخَلاص ، ربَّما ” كسْر السِّكّين ” ربَّما ” مَوت العمّة لامْعَة ” ربّما مُرورًا أسْرَع للزَّمَن ، وكانَ عنْدي حُلم وحيد ( اختَفاء الخُطَوط )، لذا أنَا الآن عارضَة أزيَاء ، “مَرْيَــم “راقصَة بالِيه ، “الأخْضَر” عَــدّاء سبَاقات سُرعَة ،” مِصباَح ” بطَل القفْــز عَلَى الزّانة.
- خط النار
- التعليقات