قصة الطفل

الفراش لا يموت

كانَ الليلُ طويلاً أو هكذا خيلَ إلى أحمد. الصباح الباكر كانَ يهفو كالفراش ليغزو قلبه الصغير. أيقظَ والدته عدة مرات خلال الليل : ماما أرجوك , اقنعي بابا أن يأخذني إلى مدينة الملاهي. لم يأخذني هناك العام الماضي أيضاً, هذا ليس عدلاً. ضرب قدمه الصغيرة بالأرض. أجابته والدتهُ بصوت هامس وهيَ تتثاءب: هش , لا توقظ والدك. بإذن الله سأقنعهُ غداً. نم حبيبي.
لم تنم عائشة تلك الليلة بينما كانت البراءة تبتسم في الحلم في الغرفة المجاورة لأنها غداً ستحقق أمنيتها .
استيقظ أحمد مبكراً ولم يعط والدتهُ الفرصة لتعد الإفطار. كانَ يقفز بفرح وكأنهُ سيكون أول من يفتح باب الأماني. قال لوالدته:ألبسيني حلة العيد حتى يأخذني والدي إلى مدينة الملاهي. عندما غادر أحمد ووالده البيت , هاتفتها صديقتها . قالت لها والدة أحمد بمرح من خلال أحاديثما : تخيلي, كل عشر دقائق يتصل علي أحمد من جوال والده ليخبرني ماذا يفعل. سامحيني غاليتي, سأتركك الأن لأكمل عملي.
كانت تستمع إلى نشرة الأخبار وهيَ تطهو . هذه أول مرة تبتسم فيها منذ شقت رصاصات العدو عباءة حياة شقيقها في آخر يوم من الصيام .
” إليكم الأخبار المروعة التالية. سمعت صوت المذيع يهدر حزناً وغضباً.
” قبلَ عشر دقائق تم استهداف أطفال عندَ شط البحر بصاروخ. طأطأ المذيع رأسهُ وضرب بقبضة يده الطاولة. كما تم قبل خمس دقائق قصف مدينة الملاهي , وقد كانت الحصيلة عشرة أطفال. فغرت عائشة فاها وقالت لنفسها : لا يعقل هذا. قبل قليل تكلم معي زوجي ليخبرني أن أحمداً بمنتهى السعادة. اتصلت بزوجها لكنهُ لم يرد عليها. أحست بأن قلبها يكاد يتفجر شظايا. ابتدأت بالركض كالمجنونة على إيقاعات الرعد نحوَ مدينة الملاهي: طفلي الحبيب.. طفلي.
لم تجبها إلا الدماء السابحة وسطَ أكوام الجثث ويد متشبثة بالجوال كطوق نجاة لشفاه مبتسمة تعلوها اشراقة أمل , بينما الدماء تشرب منها آخر قطرة من قطرات الحياة.

السابق
كِذبَةٌ حمراءُ
التالي
قراءة نقدية في نص “الفراش لا يموت”

اترك تعليقاً