دخل عبد الله غرفته ممتعضاً دونما سبب ، استوطنته الوحشة منذ فترة ليست بالقصيرة ، وحشة المكان، الروح التي نطّتْ من رتابتها وتركت سحنتها واضحة على تعاريج وجهه ، في غرفته هذه مرآة كبيرة يبدو انه انتشلها من احدى الثكنات العسكرية بدليل مكتوبا ًعليها بخط واضح من الأعلى – هل قيافتي كاملة؟، اصطفق باب الغرفة خلفه ، غرفته خالية من أيّما أثاث باستثناء سريره الحديدي وشمعة ملابس كلاهما ليس أمام المرآة ، هو ليس أمام المرآة أيضا ً، كان متنحيا ً إلى جانبها قليلا ً، حدّق بها شاهد فتاة جميلة تخلع ثيابها وتتمعن بجسدها الأبيض الذي يشبه إلى حد ٍما حليبا ً وقد وضع عليه قليل من الشاي فأضاف له حمرة تخلب الروح ، هو يحدٌق بهذا القد الرشيق لفتاة بمواصفات كان يحلم بها منذ سنوات فوجدها أمامه ككائن خرافي خلق من أجله فقط ، عندما شعر بأن موقدا ً يشتعل بين فخذيه إنتبه إلى الموقف والتفت إلى الخلف ، الغرفة مقفلة فمن أين هذا الإنعكاس ؟ عاد ينظر إلى المرآة مجددا ً ، وقف أمامها هذه المرة ، رأى أمامه رجلا ً لا يشبهه اطلاقا ً لكنه يرتدي نفس ملابسه ويتحرك بحركاته ، هل من المعقول هكذا هو وجهي ؟ أين لحيتي ؟ أين الصلعة أين أنفي العريض ؟ لا.. هذا ليس أنا ، قبل أن يصرخ مستغربا ً مدّ الرجل يده من المرآة ومسك عبد الله من ياقته ودفعه إلى الخلف ، نهض وعاود النظر في المرآة وجد الرجل يضحك عليه بصوت عال، استجمع قواه وخلع حذاءه وضرب المرآة بقوة ، لم تنكسر بل سال الدم غزيرا ًمن وجه الرجل القابع في المرآة ، ظل الدم يسيل منه وغطى وجهه ، تجمع عليه شباب ورجال يمسحون الدم من وجهه ويضمدون جراحه ويلقون بالشتائم على عبد الله الذي تسمّر في مكانه وأصبح خروجه من الغرفة أمرا ً مستحيلا ً بل اختفى صوته أيضا ً ، صاح عليه أحدهم : لماذا هذه الوقاحة وماذا فعل هذا المسكين لتضربه بحذائك الذي يشبه حذاء أبو القاسم الطنبوري يا وقح ، نذل ، أين تذهب ؟ الغرفة مقفلة عليك والمفاتيح لدينا .
– المفاتيح لديكم ؟ من انتم ؟
– ستعرف فيما بعد .
اتسعت رقعة البشر في المرآة ، الرجل أغمي عليه والدم بدأ يصعد من وجهه على شكل نافورة ، أكثر من خمسة أشخاص لحد الآن خلعوا ملابسهم ليمسحوا الدم حتى صارت كومة ملابسهم تشبه نارا ً مستعرة من شدة الحمرة وتوهجها ، بدأ الرعب يدب أكثر في قلب عبد الله ، وصل رتل من الرجال يحملون معاول وفؤوس ، ثم بدأوا الحفر حال وصولهم مكان الحادث ثم أتبعهم أربعة من رجال الشرطة مع كلاب بوليسية ومعهم المرأة الجميلة التي كان يحلم بها منذ سنوات / التي وجدها في المرآة بدء دخوله الغرفة ، نظرت إلى الرجل الممدد فصرخت ْ عاليا ً وشقّت جيبها ، نفس الجسم الذي رآه ، نفس السوتيان ،الذي ظهرت به قبل وقوع الواقعة ، لمحت ْ عبد الله واقفا ًفي الغرفة وحيدا ً كالتمثال ، صاحت عليه بصوت أنثوي هاديء وهي تقترب منه وكأنها ليست هي التي كانت تلطم .
– أنت! عبد الله ؟ لماذا يا حبيبي .. ألا تعرف أنه من أقربائي ؟
صاح عليها أحد الشرطة هذا ليس وقت هذيان ، اسمحي لنا بالتحقيق عن الحادث ، صاح الناس صيحة واحدة .
– حققوا معه ليكن عبرة للآخرين ، الكلاب البوليسية تقف على قوائمها الخلفية بحالة تأهب قصوى مادّة ألسنتها المرتجفة وهي مكبلة بالسلاسل تمسكها الشرطة بقوة وتكاد تخرج من المرآة ، المرأة لا زالت تقف نصف عارية ولم ينظر اليها غير عبد الله ، رفعت طرف ثوبها ومسحت ْ وجهها .. التفت عبد الله إلى الخلف وتأكد من أن الغرفة مقفلة – يا ألهي أين ذهب أهلي ألا يأتي أحدٌ منهم ؟ الهي .. امنحني فرصة الخروج من الغرفة ، أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ، عاد ينظر إلى المرآة ، وجد أن الرجل المغمى عليه قد أفاق والكدمات واضحة على وجهه ، تفرّق أغلب الناس ، قال أحد الشرطة : لنكمل التحقيق ، قامت المرأة وقد عدّلتْ من وضع ثيابها وقالت لعبد الله : أما آن الأوان لتعتذر حتى نتنازل عن الدعوى ؟
– عبد الله .. أعتَذِر .
– قال أحد الشرطة: لنوقع المحضر وأنت يا عبد الله مطلوب منك التوقيع .
– كيف أوّقع ْ؟
خلعت ْ المرأة ثيابها مجددا ً وخرجت ْ من المرآة ، دخلت ْ على عبد الله كمن يدخل من فتحة شباك ، إحتضنته بقوة.
– منذ متى وأنت تحلم بي ؟
– قبل أن يدبّ بي الخدر .
انسحب الشرطة وكلابهم ، صرخ عبد الله بأعلى صوته مناديا ً أهله ، دخل أحد اخوته بعد أن اقتحم الغرفة وكسر الباب ، لم يجد غير بقايا رجل وثوب امرأة يشبه إلى حد ما حليبا ً وقد وضع عليه قليل من الشاي ….

أضف تعليقاً