القصة القصيرة

سليم وشبح العفريت

في قرية يَلُفُّها الخير العميم ، و تلوح أطرافها بمظاهر روعة الخلق و عظمة الخالق ، و عطاء الكريم ، قُدّر للطفل سليم أن يعيش حياة أساسها التجاذب بين صور الواقع و رؤى الخيال؛ فقد وجد نفسه مُذْ بدأ يَعقِل طبيعة الأشياء من حـوله مضطرّا دائما لمحاولة التوفيـق بين الشــيء و نقيضه، و ما كانت تلك إلا بداية في مسار تكوّن معالم فكر الطفل المعجزة .
كانت حياة سليم تمضي بطيئة في كنف أسرته الصغيرة المكوَّنة من عنصرين هو ثالثهما ؛ و لم يكُنا ذانك العنصران غير الأب المسكين علوان ، و زوجته السليطة (لطيفة) التي لا تعرف معنى اللطف و لا يلائم خِلقتَها ، و التي عُقِد لاسمها و طبعها هما الآخَرَيْنِ موضعٌ في سلسلة العناصر المتناقضة و المتراكمة في مُخيّلة سليم . فبعد أن أمضى من طفولته خمس سنوات مِلْؤُهَا بياض الفكر و سواد الواقع ؛ انطلاقا من ولادته في أعقاب عملية قيصرية أسفرت عن خروجه للحياة و دخول والدته بطن الثرى ، آن الأوان مع حلول ربيعه السادس لأن يدخل في متاهات التفكُّر في أصل تشكّل عناصر الكون ،
و معاناة التدبّر في أساس التناقض بين الأسماء و المُسمّيات ، انطلاقا من الوقوف على ما في اسم زوجة أبيه من عجب عُجاب ؛ فهي دائما تعامله بقساوة تعجز عن الوصف ، رغم كون لفظ الاسم الذي تحمله يحيل على اللطف ، و لكن هيهات أن تتجلّى في الكون مسألة تقتضي مطابقة الاسم للمسمى حسب رؤية سليم الذي فتح بصيرته لإدراك كافة متناقضات الأسماء ما عدا الاسم الذي يحمله ، و لا عيب في ذلك ما دامت النخلة لا ترى إلا اعوجاج جارتها حسب ما يلفظ به لسان المفكرة الشعبية .
كان الطفل معتاداً على الانزواء بمفرده تحت شجرة زيتون وارفة الظلال ، كثيرة العطاء ، مترامية الأغصان ، يحل بها كل يوم شبح شديد السواد في ضوء النهار ، ناصع البياض في ظُلمة الليل البهيم،و لِطول إِلْفِ المجاورة صار الشبح أنيساً للطفل سليم، و غدا سليم خير جليسٍ لشبح العفريت الحكيم ، فكان هذا الأخير كثيرا ما يُعلّم الطفل مبادئ التعامل مع الحياة ، و يوسّع نظرته للكون
و الكائنات ، فيحدّثه في بعض أموره حينا ، و يملأ فراغ قلبه في جلّ الأحيان ، حتى أصبح معوّضا له عن حنان الأم الهالكة و رأفة الأب المغلوب على أمره ، هنالك تسنى للطفل أن يغرف من مجلس الحكمة ما قُدِّر له ، و ينهل من بنات أفكار الشبح قدراً وفيرا صيّره رُجُوليّ التفكير ، عِصاميّ التنشئة في نظر كل من عرفه و حدّثه ؛ فقد مضت سنوات و سليم يتربّى و تنمو معارفه تحت إمارة العفريت دونما دراية من أحد ، و ذلك بعدما كان حظُّه من مدرسة أبناء جنسه الحرمان ، و نصيبه من عطف الأبوة الإهمال و النسيان لتسلّط لطيفة على حقه و صَدِّها له عن التعلم مع أقرانه ، تماماً كما أحكمت سيطرتها على علوان حتى أنسته في ولده .
مضت الأيام فاشتهر سليم في البلدة و داع صيته في الآفاق بعدما صار يجتمع بالقوم و يحدّثهم بمنطق حكمةٍ لم يألفوه و لم يكن لهم عهد به من ذي قبل ؛ فقد تطوّرت نظرته لمتناقضات الأسماء و توسّعت فغارت في دهاليز اللفظ و المعنى ، لتصير نظرية في تعارض الفكر و الواقع انبهر لـها الجميع ، و فعلت في نفوسهم ما فعلت الدّلائل في نفوس قرّاء جرجاني البلاغة و الإعجاز .
و لمّا بلغ حاكم البلد أمر هذا الفتى العجيب ، أرسل في طلبه و أكرم وِفادته جاعلا إياه مستشار حكمة و هادي رشاد ، و بهذا تسنّى لسليم أن ينال رفعة المقام و حكمة المقال ، و لحسن شمائله و نبل صفاته بسط يده لأهله بجزيل العطاء و أحلّهم سُمُو مكانة لم تخطر لِلَطيفة على بالٍ ، جعلته في عينها سيِّد الرجال ، فتباهت به في الأهالي ناسجة عليه قصصًا من ضرب الخيال ، تضعه في مقدِّمة سِيرِ الأبطال ، حتى صار لسان حال سامعيها يقول : “سبحان مغيِّر الأحوال ، كيف كانت لطيفة بالأمس ؟ و كيف صارت اليوم ؟ ، هذا من ضرب المحال “. لكن لم يمض الكثير من الوقت حتى صادفت في طريقها حية سامّة لدغتها في أسفل ساقها ، فأوقعتها طريحة الفراش و عانت من جرائها ألم الحمى و الوجع لأيام ثم فارقت الحياة ، إنّها نهاية كــلِّ ظالم .
تمضي الأيام ، و سليم يتردّد على مجلس الحاكم صباح مساء حتى صار بفكره موجِّها لسياسة البلد ، فكثر عنه السؤال ، و من سحيق الأصقاع شُدّ إليه الرِّحال ، و في أحد الأيام حدث أن تأخّر الحاكم عن الحضور للمجلس ، فبقي الفتى ينتظره وحيدا لساعات حتى داهمه اليأس من حضور صاحبه و همّ بالانصراف، فجأة تُمزِّق حجاب السكون لفظة أمرٍ حازمٍ مِن عَلاَ كرسيِّ الحاكم تُثْنِيهِ عن فعله بمقتضى عبارة “اجْلِسْ” ، تَسَمَّرَ في موضعه فحامت في ذهنه أسئلة كثيرة لا يدري لها جوابا ، من أين للحاكم أن يدخل رحاب المجلس غير الأبواب الأربعة التي لَمْ تَرها عيناه قد فُتِحَتْ على ذي نَفَسٍ منذ ساعات ؟، الصوت منبعثٌ من مقام الحاكم حقّاً ، فما باله متغيِّرٌ هكذا ؟، أم هل يعقل أن يصدر عن غيره و من موضعه الخاصّ الذي لا يحق الجلوس فيه لسواه ؟، هي أسئلة و غيرها طافت بمخيلة سليم قبل أن يلتفت وراءه ليجد في موضع الحاكم حكيماً ؛ إنه الشبح الذي ألف صحبته لسنوات ثم حكم الدّهرُ بفُرقتهما مُنذ زمنٍ بعيد ، و لكن ، ما الذي جاء به اليوم ؟ و لماذا غاب طوال هاته المدة و لم يظهر إلا في هذه اللحظة بالذات ؟، هل يعقل أن تكون لديه نية مُبيّتة لاحتلال ذلك المقام الذي يعلوه ، و يخلف الحاكم من دوني ؟. بقي الفتى حائراً لبضع دقائق يُحَدِّقُ بعينيه في مُحَيَّى الشبح دون أن يَنْبُسَ بِبِنْتِ شَفَةٍ
و هاته الأسئلة كلها تدور في خلده إلى أن كسَّر الشبح حاجز الصمت متسائلاً ، هل تدري عن سبب مَجيئي إليك شيئاً يا سليم ؟ ، رفع سليم رأسه مُسْتَنْكِرًا ، و سَوّلت له نفسُه السوء ، فظنّ بالشّبح ما لم يَكُنْ من شِيمه ، هنالك تجرّأ على معلِّمه و صاح في وجهه من تكون ؟ و لماذا جئت ؟ ، و ما الذي تريده من هذا المقام ؟ . استغرب الشبح من ردّة فعل سليم ، و لكنّ مبادئ الحكمة سبقت لديه سلوك الانفعال فردّ قائلاً : يا فتى أنا مرشدك ، و قد جئتك ناصحاً ، فإن القوم يُدبِّرون لَكَ مكيدة و يَنوُون التخلّص منك ، و لم يكن لي بعد الذي سمعته و رأيته أن أتركك تَهْلِكُ أمام عيني و لا أحرِّك ساكناً ، فالْتمسِ النجاة لنفسِك و أَهْلِكَ ، و ابْرَحْ هاته الأرض تعِشْ هنيئاً .
زادت أفكار السوء رسوخا في ذهن سليم بعد سماع هذه الدعوة التي ظن صاحبه يبتغي إجلاءه بها عن مقامه ليحتله بدلاً منه ، فتضاعف انفعاله و صاح في وجه الشبح ثانية ، اخرج يا خبيثَ النفس و يا ذميمَ الأخلاق ، ما الذي تسوله لك نفسك ؟ ، أوَتظُنُّ أنّ مثلَ هذا المقامِ جديرٌ بأمثالك ؟ ، أغرب عن وجهي و ارجع إلى شجرة الزيتون فإنك أهلٌ لأن تعيش بقية أيامك معلّقٌ على الأغصان ، و ما قدرك إلا معاشرة البوم و الغربان . ثم اقترب من أحد الأبواب الأربعة للمجلس مناديا ، سيِّدي الحاكم ، أين أنت ؟ هناك من يريد بك سوءاً ، ردّدها مراراً فلم يسمعْ لندائه مجيباً ما عدا صدى الصوت الذي تمدّه به الجدران ، و الذي يتحسّسه و يُصغي إليه جيّدا فلا يجده غير نبرات صوته و صيحاته العائدة إليه ، هناك ردّ الحكيم قائلاً : بني ، إنّ مولاك الحاكم قد هلك بعد أن وقع سليما لأفعى مدسوسة له في فراشه ، و ما ذاك إلا من فعل زوجته اللعينة أمُّ البنين، فقد صدق من قال : “إن كيدكُنّ عظيم “(سورة يوسف الآية28). سقط الفتى مغمى عليه من هول ما أُلقي على مسامعه ، و ما هي إلا لحظات حتى استعاد وعيه مجدّداً ، فاستفسر صاحبه قائلاً : إن كان ما تقوله صواباً ، فما الذي أدراك أنت بهذا ؟ و كيف تعلم كل شيء لحظة وقوعه ؟ ، أجابه الشبح ، لا تعجب يا سليم ، فإن الله تعالى قد وهبنا نحن معشر الجنِّ قدرات تجعلنا ندرك ما لا يحيط به عالمكم ، و ما أن سمع سليم عبارة “نحن معشر الجنّ” حتى أصابه الذهول و بدأ يرتجف و يتَعرّق جبينه فصار يُردِّدُ جِنّ…جِنّ ، ثم بدأ يستعطف صاحبه بأن لا يَمسّهُ بمكروه كأنه لم يعرفه و لم يعاشره من ذي قبل ، هنالك حَنَا عليه الشبح و بدأ يُهدِّأ روعه قائلاً: نعم يا ولدي ، أنا شبح عفريت من الجنِّ صالـحٌ لا يُؤذي أحداً فلا تخف ، و عُد إلى رُشدِك ترى كيف كانت صحبتنا منذ سنوات مَضت . عاد سليم مرة أخرى ليردّد ، عفريت من الجن صالح ، و هو يتصبّب عرقاً من شدة الخوف و الفزع ، فلم يهدأ روعه حتى ذكّره صاحبه بقوله تعالى في سورة الجن : “و أنّا منا الصّالحون و منا دون ذلك” (سورة الجن الآية11). آنذاك اطمأنّ إليه و استفسر عن أمر الحاكم قائلا: حدِّثني عن سيّدي ، كيف هلك
و من قتله ؟، أجاب الحكيم قد أخبرتك يا ولدي أنه وقع سليمَ أفعى أردته قتيلا، فقال الفتى مستغربا : سليم أفعى ، و ما معنى ذلك ؟ فأجابه صاحبه ، نعم بمعنى وقع لديغاً لها يا بني ، و العرب تعبر بعبارة “سليم” عن اللّديغ طمعاً في شفائه و سلامته ، ولعلّك أدرى منّي بدلالة اسمك و قصّة تسميتك هاته التي لم تكن لتسمّى بها لولا الحيّة التي لدغتك و أنت وليد ثم قدّر الله لك حياة مديدة بعدما أقدمت زوجة أبيك على قتلك و التخلص منك، فهلمّ بالفرار حالا
و غادر البلد فإن الموت يحدق بك ثانية، حينها صاح سليم بملء حنجرته قائلا : و حتى اسمي هو الآخر فيه نظر ؟ تبّتْ يداكِ يا لطيفة ، تبّا لمن ينازعنا حق الحياة ، تبّا لعالم المتناقضات ، و توارى الفتى عن الأنظار فلم يعرف أحدٌ وجهته .

السابق
بوصلة
التالي
الورد وعبراتك

اترك تعليقاً