في مساء ذلك اليوم البارد، كانت هدى تنوي التحضير لاختبار الرياضيات الذي ستجتازه يوم الغد. وبينما كانت تفتح بريدها الالكتروني لتفقد الرسائل، فاجأتها رسالة بعنوان مثير: ” اقرأها و لن تندم” فبدأت قراءتها على الفور. حملت تلك الرسالة مجموعة من الأحداث و الوقائع الماضية عند الناس، و صور لأشخاص أدوا الثمن غاليا لأنهم لم يسمعوا النصائح الثمينة المذكورة رفقة الرسالة. يقسم صاحب الرسالة في آخرها أن كل ما ورد بها حقيقي و مؤكد، بل و أكدته الكثير من الأبحاث العلمية و الهيئات العالمية كما جاء في قوله. لكنها انتهت بتحذير شديد اللهجة: أرسلها لمليون شخص و إلا ستموت، ستندم أشد الندم أيها القارئ!
تفاجأت هدى بالموضوع و اندهشت بشكل كبير. في البداية، توقعت أن يكون الأمر مجرد مقلب أو خدعة، لكنها في الوقت ذاته لم تطمئن و قالت في داخلها: ” لا يمكن أن أضحي بحياتي هكذا،فالأمر يبدو جديا مع كل التقارير الطبية والصور المرفقة مع الرسالة “.لم تفكر طويلا و قررت بدء التطبيق فورا، خشية أن يحدث ما لا يحمد عقباه. في البداية، يجب عليها بعث الرسالة لجميع من تعرفهم . وبالطبع سيضطرون بدورهم لإرسالها لأشخاص آخرين، لأنهم سيقعون في الورطة ذاتها فالأمر هنا أشبه بسلسلة غذائية متوالية الضحايا.
بدأت هدى على الفور ببعث الرسالة لزملاء الدراسة و الأصدقاء. كانت الأولى صديقتها شهرزاد ثم تلتها بسمة و ربى و أحلام و اللائحة طويلة…أرسلتها لكل التلاميذ الذين درسوا معها من قبل، و الذين مازالوا يدرسون معها أيضا. وفي كل مرة تلوم فضولها الزائد المتسبب في هذا الأمر. لكن عددهم بالكاد وصل ألفا مع مضي نصف ساعة. أخذت بعد ذلك تبحث في لائحة أصدقاء أصدقائها، الذين تعرفهم معرفة سطحية بفضل مواقع التواصل الاجتماعي. و رغم كل تلك الجهود المتواصلة ، فالعدد ما زال غير كاف لحد الساعة. استنجدت هدى بأخيها و أختها، لتحصل على المزيد من العناوين البريدية لأصدقائهما و زملائهما في الدراسة. لكن وجود أصدقاء مشتركين بينهم سبب لها مشكلة إضافية، فقد بعثت لهم الرسالة من قبل. وهكذا لم تصل هدى إلى العدد المطلوب بعد، بل حتى إلى ربعه.
زاد توتر هدى مع مرور الوقت، و كذلك أخويها. غمرهما الرعب من مصير هدى المجهول بعد وقوعها في هذه الكارثة. لم تستطع الاحتمال أكثر فأعلمت أمها باكية و التي خافت على فلذة كبدها من الموت، وبدورها اتصلت الأم بزوجها الذي كان في دكانه في وسط المدينة فقدم بسرعة. طمأنوها بأنهم سيقومون بأقصى طاقاتهم و وعدوها بأنها ستنجو. عمّت حالة استعجالية طارئة في المنزل، الكل كان يتصل و يبحث عن عناوين للناس.
مضت ساعتان على بداية الكارثة، جمعوا ما يقارب نصف المليون منذ ذلك الوقت. الجميع في حالة هيستيريا ، الكل يجري في المنزل لدرجة أنهم نسوا تناول طعام العشاء. كيف لا و حياة هدى على المحك ؟ اتصلت الأم بإخوتها و خالاتها و صديقاتها أملا في العثور على عناوين إضافية، و بدورهم سألوا أولادهم وكل من يعرفونهم رغبة في المساعدة. اتصل الأب أيضا بكل معارفه و زبنائه، حتى الجيران و كل شخص قريب يمكن أن يساعد في جمع العدد المطلوب من الأشخاص. ترك الجميع أعمالهم و مشاغلهم من أجلها ، فالأمر جدي للغاية.
بدأت هدى تحس بالألم و الغثيان. قالت لهم بقلق:” لقد ظهرت العوارض المذكورة على ما يبدو!” ارتفعت حرارتها أيضا و بدأت تحس بضيق في التنفس، كما ذرفت دموعها بسخاء. زاد توتر الجميع و بدأوا بتكثيف مجهوداتهم. اتصل الوالدان بكل الأقارب البعيدين و الذين لم يسمعوا صوتهم منذ مدة. تفاجئوا في بادئ الأمر، لكنّ الكل ساعد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه .العمل في المنزل على قدم و ساق. ظلت هدى ترتجف و تبكي. الكل يحاول مساعدتها خوفا و رعبا، فقد أصبح الأمر قضية حياة أو موت. استجمع الكل قواه و بذلوا المزيد من الجهد. الكل يجاهد أملا في سبيل إنقاد هدى المسكينة و التي وقعت ضحية فضولها.
أضحى الوقت فجرا حين اقتربوا من إكمال المهمة، استعملت هدى المزيد من العناوين الالكترونية من الجرائد و المجلات الترفيهية التي بحوزتها. و ساعد الجميع بذلك رغم التعب و الإرهاق. عند شروق الشمس استطاعوا إنهاء العدد المطلوب، بعد ساعات طويلة من العمل المضني من لدن الأسرة و الأقارب و سكان الحي بأسره. كان الكل متضامنا و متآزرا مع محنة أسرة هدى و قد جاء ذلك بنتيجة في النهاية.
في الصباح، ذهبت هدى بوجه شاحب إلى المدرسة لاجتياز الاختبار. لم تكن مستعدة البتة! كانت تفتح عينيها المنتفختين بصعوبة. التقت بصديقتها شهرزاد التي اعتادت احتلال المرتبة الأولى في الصف كل سنة. بدت مبتسمة و فرحة كعادتها . قالت لها هدى بصوت مرتعش: لم أنم طيلة الليل بسبب تلك الرسالة الخطيرة، التي أرسلتها لكل أصدقائي بما فيهم أنت. لكنك تبدين في حالة جيدة يا شهرزاد، لا بد أنك قمت بإرسالها لمليون شخص كما كان المطلوب. كيف فعلت ذلك؟
ردت شهرزاد على الفور: سأعترف لك، لم أرسلها لمليون شخص. بل أرسلتها في البداية، باسم مجهول لجميع تلاميذ القسم فقط … حتى أظل الأولى!
- أرسلها لمليون شخص وإلا ستموت
- التعليقات