كانت تلك الظلال ،تتمطط، تتموج صعودا وهبوطا كأسراب هائجة من السردين في عمق المحيط : تتحول إلى أشكال غريبة ، مداري ، او معاول يتأبطها مارد جبار رأسه في الشرق ورجلاه في الغرب،ظهره في السماء وبطنه في الارض .تحت رحمة تلاشي ضوء الشمس ،تفقد الاشياء حقيقتها، خيالاتها لاتستقر على حال ٠الليل كالفأر يقرض النهارببطء شيئا فشيئا ، يقضم أظافره ، يمتص منه النور كعنقود العنب ، والشمس في خجل تمتقع وجنتاها ، تتوردان ،في ،لحظة وجيزة كالحرباء تلبس جميع الألوان ، تحمر عيناها ، تبالغ في الاحمرار،النوم يداعب منها ألأجفان، تسلم مشعل النور للقمر الذي يخترق علامة النصر بين ذينك الجبلين المتقابلين اللذين يخترقهما الوادي ، يطل خجولا بعين مفتوحة كبيرة ،ونوره لا يكاد يضيء نفسه ،يخبو ويومض كنار تحت رحمة كير مثقوب .هذه التحولات تمتص مني معنى الرجولة ، وكان لا بد لي أن أعبر ذلك الوادي اللعينن الرهيب الذي قد يتحول في هذا الليل الى افعى إ ن لم تعتصر أضلاعي ،تقلم أظفاري ، و من يدري ؟! إنه الليل!! ،تفصلني عنه بضع كلمترات : مسافة بين السماء والأرض وما أنا إلا ذرة في هذا الملكوت الفسيح : يتعب العين، ويدق الرقبة، ويكسر الظهر ،وما يورم قلبي ويحوله إلى أقصى يمين أضلاعي : أشجار الدفلة ، تأخذ مني نصف قوتي، تسلبني إرادتي ٠ تحيط به من كل مكان ، تدود عنه :عساكر حراسة مشددة ، تحميه من رواد العتمة وعشاق المغامرات الليلية ، هذه الاشجار وردية الورود ، تغرينا نهارا فنحبها ونتلاعب بوريداتها .تتحول سرا مخيفا من اسرار الليل ،كلما اقتربت من هذه الأشجار ،يصبح قلبي يركل في صدري كالجنين في أحشاء أمه ، ركلاته مسموعة :دقات عقارب ساعة مخبولة تعد حركة الزمن اللا متناهي، وتقيس تعاقب الليل والنهار .أخاف ملابسي، أشك فيها ، ربما خلسة مني يكون شئ ما اندس في عباءتي أواستوطن تلافيف ردائي ،وقد يفاجئني في أية لحظة ٠مجبرا لن ألتفت ورائي ، بماذا سأجيب اذا سألني هذا الشئ في ثيابي: هل أثقل حملي كاهلك يا اخي ؟! هل أنا خفيف أم ثقيل على كتفيك؟! ستكون نهايتي : فإما اصاب بسكتة قلبية ،او يحلق عصفور دماغي في عالم الجنون والهديان ، لم اكن مسلحا : لا أحفظ ولو آية قرآنية. كانت تنقصني صلابة القلب ، لم أكن جبانا ،وحشة المكان تفرض عليك الجبن ، أحت الخطو ، أخبط العشواء ،استوت أمامي الأرض بشجرها وحجرها ،لم يكن جسمي مني ،لم أعد أشعر به، خلصني منه شبح الخوف ، الذي امتطاني وأحكم قبضته على عناني ٠كنت اسابق حلكة العتمة ،قدماي تعجزان على حمل هذه الخشبة ،أرتجف ، أرتعد :قصبة امام نسيمات غاضبة ،أحسني أسير في الوحل! لا في الإسمنت ! لا في الإسفلت ! ،لاأدري كل ما أعرفه :ألتصق بالأرض ،قرادة جائعة تمكنت من حبل الوريد ، حينها يقشعر بدني وترتعش فرائصي كالديك المذبوح : تذكرت امي ، تحدرني : لا تسكب الماء الحار على بعض الأماكن الحساسة من الأرض : رماد قديم ،مربط أنعام ،بقايا خرابة ،او ما شابه ذلك ، حتى لا تؤذيهم فهم أيضا لهم ، اولاد مثلنا فيهم المسلم و فيهم الكافر ٠ أشد على تلابيبها وألتصق بركبتيها و بإصرار طفولي : – من هم هؤلاء يا أماه ؟! يمتقع لونها وتصفر وجنتاها ،وتبصق يمينا وشمالا وتتمتم بكلمات لم أكن ألتقط منها حرفا واحدا ،وتنهرني : أصمت يا ولدي ،لا تذكرهم رجاء! ذكرهم يوقض عش الدبور في هذه النفس المتعبة المريضة ، و يؤلب علي المواجع ، رجاء اذا كنت تحب أمك ،أصمت ، ! أصمت ! لكني كنت أعرف أنها تحقهم حق المعرفة ، وبأسمائهم الخاصة ،وتميز بين معتقداتهم ، أنها قاموس محيط في عالم الجن ،عرفت ذلك عندما كنت ارافقها لحضور طقوس (الساكن)التي كانت تحييه فرق فلكلورية شعبية : عيساوة . هداوة ،والدراويش في الاضرحة ومواسم الاوليا ء السنوية ، لكنها كانت ترتاح لكناوة اكثر ،لانهم ( يتقنون ساكن”” لالة ميرة”” وشمهرروش) واسماء اخرى محاها الزمن من ذاكرتي ،كانت أ مي تجذب !تجذب! شطحات صوفية : المتصوف تفرض عليه شطحة الحلول فقدان الوعي والشعور، كذالك كانت أمي، على ايقاع هجهوج كناوة و هم يصرعون “لالة ميرة” بالموسيقى ، تصيبني الدهشة الممزوجة بالخوف، وانا ارى أمي تسقط مغمى عليها ،والدندنة الكناوية ترفع من سرعة الايقاع ، والنسوة يحطن بأمي ، هناك من تضع لها المفاتيح في يدها ،و من تغمس لها يدها في الماء البارد و من تمرر لها قطعة ثوب مبللة على جبينها،كن يحترمن التعاون والتآزر لأنه من اهم شروط الجدبة .،وعندما تستفيق من غيبوبتها الصوفية اسمعها تردد :”لالة ميرة ،،لا ميرة ،لا ميرة .!! ثم تستكين وتخبو نار قلبها ،إلى ان تصبح رمادا ويقل زفيرها ويثقل وزنها : تتدحرج بلورتان كبيرتان براقتان من عينيها وتغيب في نوبة نحيب مكتوم ، تسندها تلك المرأة المساعدة للفرقة على ركبتيها وبعد هنيهة يقل منسوب المياه ويتنفس النهر الجامح في دواخلها .فتسند ظهرها الى الحائط يبدأ عزف ساكن جديد حسب نوع المريض وسط غيوم سوداء من البخور ومختلف الروائح التي كانت تثير في نفسي التقزز والاشمئزاز . هذه الصور الغريبة ،المقرفة، – رماها الزمن منذ زمان، في سلة مهملات ما ،في ركن ما من ذاكرتي تتداعى إلى دماغي كالحائط المنهار، خلتها عربات قاطرة مجنونة ،تسير عكس مسارها ، سيل راعدة قوية يبحت عن مسلك آمن ليعانق النهر في سفح الجبل . ينفش رأسي شعره كالقنفذ يستل اشواكه من اغمادها :ديك رومي يستعرض مواطن جماله لاستمالة بعض الإناث، كانت للتو أشجار الدفلة قد طوقتني من كل مكان اصبحت جردا في مصيدتها . في عمق الوادي الذي يتلوى على الجبل ويعتصره كالحية صعودا وهبوطا . شعرت بمعدتي تتخلص مما بداخلها وأنا اتحرك ثملا بالغثيان والدوار ،قاومت غيبوبة كانت تراودني من حين لاخر ، عندما اتذكر (لالة ميرة )، او( شمهروش) ،وربما يستلب إرادتي فصيل من فصائلهم ،آخذ كلام امي على محمل الجد فأحاول الإفلات من قبضة أشجار الدفلة ،التي فقدت حتى روائحها الزكية او انا اختلطت علي الحواس وتعطلت كلها بفعل الفرق القاتل . ،يتسلل ضوء القمر باهتا بين السحب ، فأجد نفسي محاطا بحشود غفيرة من الاشباح والاطياف التي تتحرك صوبي دفعة واحدة ،احس بالبلل ساخنا يغمر حذائي، ربما لم تكن إلا (لالة ميرة) وحاشيتها تتربص بي ، بومة مفزوعة أفسدت عليها نومها العميق تطير مدعورة من بين اشجار الدفلة فتلطمني بجناحيها ،افقد توازني اترنح ثم أخر راكعا علي ركبتي والفرق يصم اذني وتصطك له أسناني ثم يجف الريق في حلقي فيستعصي علي ابتلاعه ،اصبحت كتلة لحم معطلة الاحساس والحركة ، حاولت النهوض ، تعترت تمسكت الأرض بتلابيبي ثانية ، كجرد تداعبه مخالب قط أتخبط بين النهوض والسقوط ،وزاد خوفي ورعبي نقيق الضفادع وهمس الصراصير ،وهوام الليل ، اصبح ذلك في اذني كصوت الرعد ،ربما ضفادع الليل و الوادي تختلف عن تلك التي كنت اغتالها بمقدافي المطاطي بالعشرات ٠تفاجئني فرقعة اجنحة ضخمة ،تكاد تلطم وجهي ،اشعر بحفيفها يلمس أعلى رأسي ، أركع من جديد على ركبتي٠قبضة تشد أذني وتعتصرها وتهمس ،هل عرفتني يا هذا ؟! قلت وانا ألوك لساني ثقيلا بين اسناني ،:لا من ؟! غمرني ضوء قوي كاد يخطف مني البصر وتلاشى ،واضمحل الصوت بين تلا فيف ذاكرتي ، وغبت عن وعيي، رحت في نومة عميقة ،ربما انتقلت روحي الى الملكوت الاعلى ، لا ادري !! يوم ، يو مان ،سنة ،الله وحده أعلم بأمري ، ما عقلت شيئا.. عدت الى وعيي الى رشدي أتصبب عرقا وأمي تمسحه بخرقة مبللة باردة من على جبهتي ، وكان ذلك الشيخ ذي الجلباب الابيض واللحية الثلجية يشد على سبابتي ويتمتم بكلمات غير مسموعة ، التفت ذات اليمين وذات الشمال كنت ،وسط غابة من الارجل تحفني ،من كل جهة والحضرة على أشدها كل في جذبته الهسترية ، في حلول صوفي ، هناك من كان يشرب الماء الحار ،وهناك من يغرز السكاكين في جلده دون إراقة ولو قطرة دم ، على ايقاع الناي والهجهوج يعزف ساكن( لا لة ميرة ) في جو روحاني صوفي ،بدات ابحت في سلة مهملات ذاكرتي عن هذا المشهد الذي بدأ يشدني للماضي البعيد، اطبقت عيني من جديد ورحت في نومة / موتة ،وربما ستكون طويلة هذه المرة.
للتوضيح : شمهروس ولالة ميرة من اساء الجن في التراث الشعبي المغربي .
– كناوة ، عيساوة ، هداوة ، فرق موسيقي شعبية تحيي طقوس الجذبة
– الجدبة : من الطقوس والعادات والممارسات
– الساكن : طقس من طقوع صرع الجن بواسطة موسيقى ذات طابع خاص
-الهجهوج: اداة وترية موسيقية شعبية

أضف تعليقاً