خفت من وجوده المهيمن، المسيطر، تنكرت في صورة قلم رصاص، ومرة استقمت شجرة.. فمر أمامي دون أن يعرفني. اختبأت خلف معطف والدي على المشجب؛ لما علمت أن يتسحب بليل، ويخطف الأطفال، ويلقيهم في البئر.
سألت أبي:
– من البئر خرج الأنبياء؟.
– وأحيانا الشياطين.
– كيف؟.
قال جدي، وهو يهمّ بنا لصلاة العشاء:
– لاوطن لهم، جُلبوا كالمماليك عبيداً مأجورين، دنسوا الأرض بأفراسهم، نهبوا البلاد، واستذلوا العباد
– والناس ياجد!.
على باب زويلة ياولدي، ناحوا على طومان باي، أخبرنا فأحببناه، وكرهنا الخسيس الذي أسلمه رهينة للسطان. بكيناه حين شرعوا في شنقه أمام العوام.
ونحن لاحول لنا ولاقوة..
وأنا ألهو بمسبحته:
– متى نملك حولاً ونملك قوة؟.
فاجأته.. تضايق، شتمني،:
– إسأل أبيك..
طويت كتاب التاريخ، ونحيت الخريطة جانباً، وفتحت النافذة..
مازال مترصداً، يدوّن أدنى حركة تصدر، ليخط تقريره.. ويرفعه لولاة الأمر.
تبسم القمر في جوف سماء بنفسجية.. وتدلت فوانيس الشارع كالأشباح تسترق السمع، وتفرش ضوءها المخروطي على الطريق.
تلاصقت البيوت في عتمة ماقبل الفجر، كأهل يحتضنون عائداً بعد طول غياب..
ذات ليلة..
أردنا الخروج دون ملاحقة. تخفيّنا في هيئة عصافير، تناقلنا بحرية وخفة بين الأشجار، تمكنا من السهر في “الحسين” حتى الصباح، وأداء الصلاة..
– وانطلت عليه؟.
– نعم.
زغردت النساء، وتندر الرواد في المقاهي بالحادثة.
-ثم بعد!!.
– أقالوه لتقاعسه عن عمله؛ صمم على كشف اللغز؛ فطرق الباب وسألنا..
– يااااااه، وماذا فعلتم؟.
– سوف تستغرب..
إنه مثلنا ياولدي، فقير، مُسيّر.
– لماذا كل هذا إذن؟.
– ألم تدرسوا السير، وأنباء الغزوات والفتوحات، والحقب المتلاحقة كالغيث.
– نعم..
– أدرستم تفسير الرؤى؟.
– هه!!.
“اصطففنا في وجه الشمس، بوجوهنا دون مواربة.. زحفت جحافلهم كالجراد، انشق النيل بيننا، ركضت بقرات عجاف، خرجت أطفال الرؤى متلألئة بالضوء، يحملون أكفاناً بيضاء، وثبوا
نحو الظلمة فانقشعت… وفاض النهر!”.
– أغلق النافذة ياجد؟.

أضف تعليقاً