أصوات انفجارات و أنين ثكالى و صراخ أطفال و عويل عجائز و بكاء لاجئ تسللت كلها متدافعة إلى مسامعي غصبا و دون استئذان فاخترقت قلبي و شعرتُ بالفتور و لم أقوَ على الحركة ، شاهدت ما تبقى من نشرة الأخبار بنصف بشري أما النصف الثاني فقد استهلكته تلك الأنات التي أبت إلا أن ترافقني أينما ذهبت ، غيرتُ ملابسي و غادرتُ المنزل علّني أرمم نصفيَ المنتهي تماما في مقهى الحي المجاور صحبة بعض الأصدقاء.
في الطريق إلى المقهى و هُناك في ناصية الشارع التقيتُها على قارعة الطريق ترتجي من يُسعفها و يُضمّد بعض جراحاتها، دنوتُ منها فتكوّرت و صاحت خوفا ، ظنّا منها أنني سأُجهز عليها ، استندتُ بكل هدوء إلى الرصيف و رحتُ أتأملها و قد نزفت كثيرا …انفطر قلبي و دوّت صرخة بداخلي دعتني إلى تضميد تلك الجروح، مددتُ يدي بكل لطف نحوها فما زادها ذلك إلا جزعا فصاحت:
– إليك عنّي فكلكم سواء.
استغربتُ كثيرا و قلت :أنا الإنسان !
ابتسامة مُتكلّفة علت محياها وقد امتزجت ببعض الأنين :
– أنت و أمثالك سبب شقائي ، أزِلْ قناعك فأنا أعرفك جيّدا.
أجيبها و أنا أفتخر بإنسانيتي:
– أنا الإنسان ، أنا مَن عمّر الأرض ، أنا الحضارة و التاريخ، أنا الفنون و الآداب ، أنا مَن ملك شرق الأرض و مغاربها ، أنا….
تُقاطعني بصرخة دوّت بداخلي و هزّت قلبي هزّا عنيفا و تقول:
– حضارتك المزعومة و تحضّرك المقيت هما من غرستا في جسدي آلاف الخناجر منذ وجودك ، أنت سبب أوجاعي يا من تدّعي أنّك إنسان.
أدركت بسرعة خطيئتي حين اتهمتني ، طأطأت رأسي و أعلنتُ الهزيمة و أنا أرى في جراحاتها الغائرة دليل إدانتي .
تُواصلُ أنينها العميق و تكشفُ بعضا من جسدها فأرى ندوبا كثيرة و طعنات لم تندمل آثارُها بعد و أخرى حديثة ربما أكون سببا فيها و إن كان بغير قصد.
سألتها: كيف استطعت النجاة حتى الآن؟
تُجيبني بعد أن أشاحت بوجهها قليلا معلنة عدم رغبتها في محادثتي : أصوات خافتة هنا و هناك تُرمم جسدي كلّ مرة لكنها لم تقوَ على علاجي .
رغبة شديدة في البكاء تملكتني و حنق عارم على نفسي انتابني ، لأنني لطالما فضلتُ الهروب و الاستسلام ، جمعتُ شتات إنسانيتي و قلت :
– سأكون صوتا من تلك الأصوات عسى تُسمع نداءاتها يوما و تندمل كل جراحتك ، بِك سأكون إنسانا و منك سأستعيد أشلائي و إليك سأدعو المروءة و النخوة و العزة ، فلا تحزني.
يزول بعض ألمها فتقول بصوت أكثر نقاء:
– أرجوك أخبرهم عني قبل أن ألفظ أنفاسي ، فقد صرت جسدا باليا لا يستطيع التحمّل أكثر .
أعبر الطريق عائدا إلى المنزل بعد أن عَدَلتُ عن الذهاب إلى مقهى ظننتها ملجأ للهروب أو سبيلا أنسى به تلك الآلام و أنا أشحذ قلمي لأكتب عن إنسانية بائسة رجتني أن أخبر كل الكون عن أوجاعها.

أضف تعليقاً