اللغة حقل شاسع من المقولات على اختلاف أنواعها ، في فضاء فوضوي ، قابل للتشكيل في أية لحظة أو في أي وقت ، بتدخل عنصر المتكلم ، الذي يقتطف من هنا ومن هناك ، كما وافرا أو قليلا من الكلمات ، ليوظفها في سياق خاص ، يخضع للتركيب والإسناد ،أو ما كان يسميه عباقرة النقد القديم كالجرجاني بالنظم إذ تتم عملية الجمع بين الكلمات ووضع بعضها ازاء بعض لخلق كم هائل من الجمل التي ،تخضع في تركيبها لسياق عام ،هذه الجمل التي تستوجب الربط بينها لتدخل في خدمة سياق هذا الكم من فسيفاء الكلمات ،وتحتاج إلى تلك الروابط التي تعضدها بعضا ببعص ،وتجمع شتاتها لتؤدي إلى خلق معان معينة ، في نص أدبي ، وتختلف الجودة في الكلام من متكلم إلى آخر ، لأن الكلام كله يخضع في تكوينه وتركيبه إلى ظروف متكلمية بحتة ، وهنا تختلف الأساليب بين زيد وعمرو ، فنطرب لنظم زيد ونستهجن كلا م عمر ، من جهة أخرى تختلف الجمل من شخص لآخر ،حسب الظروف المتكلمية ، و وفق الخلفية الثقافية لهذا أو ذاك ! والمقصود بالخلفية الثقافية كل ما من شأنه التأثير في التكوين الثفافي والمعرفي للشخص ،من تاريخ ودين وعادات وتفاليد ، ومختلف القيم الإنسانية الأخرى التي يمكن أن تكون إما على مستوى الوراثة أو الاكتساب ، كالتعلم ،مثلا ، حيث نختلف حتى في مستوى قابلية تعلم اللغة ، والقدرة على توظيفها في نصوص ،معينة ، تصنف حسب انتمائها إلى جنس من الأجناس الأدبية المختلفة ،هنا يختلف مستوى الإبداع بين هذا المبدع أو ذاك ، حسب طريقة نظم الكلمات وترتيبها في عقود حبلى باللآليء ،لكن كيف سنختلف في مستوى الإبداع ؟!
نعم ! نختلف وفق تصوراتنا للأشياء التي نترجمها في هذا الكم من الجمل والعبارات ،ولعل طريقة التركيب أو الإسناد هي الفيصل بين المتكلمين ،فنجد هذا لا يخرج عن حدود البحث لكلماته عن أخرى تناسبها على المستوى المنطقي (محسوس /محسوس / معقول / معقول ) ، فتأتي الجملة ناقلة لمعنى حقيقي ، أو لخبر ما ،فيتقبلها المتلقي بشكل عاد ، لا تثير في نفسه أي إحساس بالجمال أو الشعور اتجاهها بإعجاب أو اندهاش ، فنقول هذه لغة مباشرة لا تخرج عن حدود نقل الخبر العادي ،الذي يتقبله المتلقي باستهجان ،فيكون ابتدال هذه اللغة سببا في قتل النص قبل ولادته ،لكنك عندما تلجأ إلى هذا النوع من الإسناد ،فإنك تغلق أمام المتلقي جميع أبواب التفكير ، وتحرمه من نعمة التأويل والتفسير ،هذه النعمة التي تساهم بشكل أو بآخر في إحياء النص من قاريء لآخر وعبر مختلف الأزمنة والأمكنة ، وهذا هو ما نسميه الانفتاح في النص على تعدد القراءات ، وهو الذي يضمن للقاريء الحق في التأويل والتفسير .إن عملية الجمع بين الكلمات ووضع بعضها إزاء بعض لخلق كم هائل من الجمل ،تخضع في تركيبها لخدمة سياق عام ،و موضعتها في جغرافية الكلام !
قد يكون ابتدال هذه اللغة من أسباب قتل النص قبل ولادته ،لأنك عندما تلجأ إلى هذا النوع من الإسناد ،تغلق أمام القاريء جميع أبواب التفكير ، وتحرمه نعمة التأويل والتفسير ،هذه النعمة التي تساهم بشكل أو بآخر في إحياء النص من قاريء لآخر وعبر مختلف الأزمنة والأمكنة ، وهذا هو ما نسميه الانفتاح في النص ! فالمتلقي يتلقى التركيب اللغوي( بنشوة كنشوة الخمرة وطرب كطرب الألحان) كما يقول ابن الأثير ، أو يستهجنه ولا يعيره أدنى اهتمام وقد خيضت في هذا الموضوع في النقد القديم معارك نقدية كثيرة ! ،وتكمن جماليات التركيب في الجمع بين المختلف من الكلام وتقريب المسافة بين المتباعد منه ، يقول عبد القاهر الجرجاني (وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد كان إلى النفوس أعجب وذلك أن موضع الاستحسان ومكان الاستطراف أنك ترى الشيئين مثلين متباينين ومؤتلفين مختلفين) يتضح لنا إذن أن مواطن الجمال في النص الأدبي سواء كان شعرا أو نثرا في باطن تحصله الضمائر . فيختلف الكلام الفني عن العادي في أنه ( قول راح السمع يسرقه او يختلسه اختلاسا وهو يتنصت على النائي العميق )من وجهة نظر الجرجاني أو كما يقول كذلك :(الكلام الناجح شدة ائتلاف في شدة اختلاف ) وكما سبق ،ربما فطن النقاد القدماء إلى أن أي كلام ، يخضع لمشيئة المتكلم ، وظروفه ومستوى خياله وتفكيره ، من خلال ذلك تتم عملية الإبداع ، في كثير من الأحيان ما نشير في بعض المقالات أو الدراسات النقدية إلى أن المتكلم / المبدع ، هو المسؤول عن خلق الأثر الأدبي الجميل الذي يخلق في نفس المتلقي( شهوة الغرابة والاندهاش )، وذلك من خلال (جمع أعناق المتنافرات والمتباينات) كما يقول الجرجاني في سياق يأخذ بألباب المتلقين ، ويطيل في حياة النص من خلال اختلاف التفسيرات والتأويلات ، وما إلى غير ذلك ، فأن تجمع المحسوس بالمعقول أو المعقول بالمحسوس ، ،وهكذا ذواليك ،من شأنه خلق ،الصورة الشعرية أو العبارة القوية التي تخلخل في أعماق المتلقي حب الاطلاع والمعرفة ، فيعمد إلى تفكيك الرموز إن على مستوى التوظيف اللفظي أو المعنوي ، إذ يشعر بشهوة اختراق الخفي ،وكشف المستور ، فتحصل لذة الكشف عن أسرار يحتويها النص ،ويمكن أن نأخذ العبرة من هذا القول لابن طباطبا في كتابه عيار الشعر
‏‎frown‎‏ رمز تعبيري
على النص العظيم أن يهب المتلقي فرصة الحدس والتخمين وعليه كذلك أن يصاغ وفقا لمبدأ التلويح الذي يصون درجة من درجات الخفاء بحيث يحرض في المتلقي شهوة اختراق المستور ،شهوة الكشف وملاقاة الأسرار ) والخفاء بطبيعة الحال لا يأتي إلا من خلال التركيب الغريب ، للمختلف من الكلام ، وهو ما نسميه ببلاغة الغموض أو الانزياح ، هذا الا نزياح الذي يوظفه المبدع في نصوصه ، من خلال تقريب المسافة بين المتباعدين والتوفيق بين المختلفين ، والهدف من هذا كله هو العمل على إثارة الحدس والتخمين والتفسير والتأويل في نفس المتلقي ، يقول ابن طباطبا في كتابه عيار الشعر
‏‎frown‎‏ رمز تعبيري
التعريض الخفي يكون بخفائه أبلغ في معناه من التصريح الظاهر الذي لا ستر فيه ).
أهدف من خلال هذه المقالة إلى الإشارة إلى أن المبدع للنص الأدبي ملزم بالاشتغال على التركيب والإسناد ، فإنه العمود الفقري لأية بلاغة غموض أو انزياح ، و العمل على تحريض المتلقي على التخمين و الحدس والتفسير والتأويل ، من أجل انتزاع شهوة الغرابة والاندهاش من نفسه !لا تفكر في من سيقرأ نصك وأنت تكتبه ،فالقاريء فنان مبدع حتما سيتفاعل مع ذائقتك الأدبية ، عندما تستفز فيه حب المعرفة والاكتشاف ، فهو كاشف لأسرار النص ، و كشاف للخفي والمستور منه!!

أضف تعليقاً