اشْمَأَزَّ عِلْيَة القوم في الحي الراقي من المنظر القبيح لهذا الجالس وسطهم يبكي بحرارة، بدا بين أكابر المجتمع كبصلة عفنة سقطتْ سهواً وسط طبق من التفاح الفاخر فتؤذي الأبصار بشكلها القميء وتزكم الأنوف برائحتها الكريهة. همَّ الكثيرون بطرده لولا أن شفع له بكاؤه الحار على الفقيد الثري. نظروا إلى بعضهم في تساؤل صامت عن هذا الغريب المُريب الرث الثياب الأشعث الشعر العالي النَّحيب.
مرَّت اللحظات ثقيلة بطيئة لم يكسر مللها إلا تفكيرهم في ماهية هذا المخلوق الخارج تواً من صندوق القمامة، يتساءلون في أنفسهم عن مدى قرابته من الراحل الثري وعن سر حزنه الشديد عليه بينما استمر هو بين الفينة والأخرى يخبط كفًا بكف في عجب ولم ينقطع بكاؤه الحار.
انتفض الجميع فجأة من مقاعدهم وأفكارهم حين أطلَّ متخصصو تجهيز وتشييع الموتى بزيِّهم الرسمي وهم يحملون النَّعش وبداخله جثمان المتوفى واصطف المشيعون خلفهم يرسمون هيبة الجنازة الرسمية. فوجئ حاملو النعش بهذا الرجل بملابسه القذرة يندس وسطهم ليشاركهم في حمله وهو يجهش في بكاء ونحيب حارَّين. راعهم وضايقهم أنه يشوه منظرهم وهيئتهم الرسمية بملابسه البالية ويحط من هيبة وشأن الجنازة والفقيد فحاولوا إبعاده بشتى الطرق إلا أنه تمسَّك بالنعش بكل قوته وارتفع صراخه وبكاؤه فتركوه خشية الفضيحة.
زادت حيرة المشيعين في شأنه بعد هذا الصراع العجيب، حاولوا دفن ضحكاتهم داخل أفواههم فتسرَّبت في شكل ابتسامات ساخرة خجولة على شفاههم وملامحهم المنتفخة الناطقة بفاحش الغنى. طال الطريق فراحوا يراقبونه بدهشة وهو يصرخ ويخبِّط بكل قوته على هذا الموضع من وسط النعش، يزداد نحيبه بينما يكاد الحزن أن يقتله على كُلْيَتِه التي أشتراها منه الثري الراحل بأبخس الأثمان ليَقَبَرَها معه قبل الأوان.

أضف تعليقاً