نزلت الدكتورة “مرام” من عيادتها متأخرة تلك الليلة، بعد أن أنهت جميع الحالات لديها. كانت الساعة تشير إلى الواحدة والنصف صباحًا، معتادة هي أن تتمشى حتى تصل إلى شقتها، فالبناية التي تسكن بها على بُعد شارعين من العيادة، لذلك هي لا تحتاج لمواصلة. اقتربت من باب الشقة فوجدت ورقة مثبتة على الباب مكتوب عليها تلك الجملة” سوف أقضي عليكِ مثلما قضيتي على طفلي، ولن أرحمكِ كما لم ترحميه” أخذت الورقة من على الباب ودلفت إلى الداخل. يأتيها تهديدات كثيرة بالقتل ولكنها لم تلقي لها بالا، ولكنها شعرت بالخوف هذه المرة. هي بالأساس طبيبة أمراض نساء، ولكنها تدير العيادة لعمليات غير أخلاقية، فالعاهرات يعرفن طريق هذه العيادة وكل النساء اللاتي يردن التخلص من أطفالهن. مرت عليها تلك الليلة بصعوبة، ومع اقتراب الفجر راحت في نوم متقطع، زارها خلاله العديد من الكوابيس ملخصها أن هناك من يطارها ويريد الخلاص منها. في الليلة التالية كان الزحام شديد، أجبرها أن تُنهي عملها متأخرة. الساعة تقترب من الثانية صباحًا، نزلت إلى الشارع ونظرت في كل الاتجاهات حولها لتتأكد من عدم وجود من يراقبها، بدأت رحلتها إلى المنزل وصوت دقات قلبها يحدث صخبًا باستطاعتنا سماعه. لمحت ظل طويل على الأرض، شعرت ببرودة في ظهرها، ألقت نظرة خاطفة للخلف ولم ترى أحد، قالت لنفسها لابد أنها ألعاب الخوف والظلال، إن الأدرنالين يوشك أن يخرج من فمها. عبرت الشارع الأول واقتربت من الشارع الذي يفصلها عن البناية التي بها شقتها. لماذا الشوارع مظلمة هذه الليلة بالذات؟ حاولت استجماع شجاعتها وقالت لنفسها مرة أخرى” تماسكي يا مرام، أنتِ معتادة على العودة متأخرة كل ليلة، ماذا يخيفك هذه الليلة؟” لمحت الظل على الأرض مرة أخرى، لم تستطع أن تحتفظ بهدوئها وأطلقت صرخة أفزعتها قبل أن تعبر عن خوفها. حاولت أن تجري ولكن كعب الحذاء كُسر، يا للنحس! خلعت فردتي حذاؤها وألقت بهما وانطلقت تركض نحو البيت. رأت باب البناية يلوح لها على مسافة قريبة، شعرت بالاطمئنان واقتريت منه مسرعة، دخلت البناية وهمت بالدخول إلى المصعد، وفجأة…. لم تلحق أن تصرخ، وجدت منديلًا مثبتًا على فمها وشخصًا يهمس في أذنها” هذا ذنب طفلي الذي قضيتِ عليه قبل أن يأتي للوجود، تخلصت من والدته المجرمة وها قد أتى دورك” انتشر الأدرنالين بجسدها وبدأت تزرف الدموع، كانت تنتظر الخلاص في أي لحظة مثلما يحدث في الروايات، لكننا في الواقع الأليم. مر أمامها شريط حياتها منذ طفولتها إلى أن تخرجت من كلية الطب، تذكر أول مرة قامت فيها بعملية إجهاض، كانت عازمة ألا تسير في ذلك الطريق، لكن شهوة المال كانت لها الكلمة في النهاية. فجأة اتسعت عينها عن آخرهما، لن يقدر أحد على وصف ومعرفة ما رأته تلك اللحظات، ولن تقدر هي أن تحكي، ببساطة لأن ما من أحد ذهب وعاد لكي يحكي لنا. شعرت بنصل السكين البارد يمر على رقبتها وشعرت بالسائل القاني يملأ صدرها وملابسها. رحل ذلك المجهول وتركها تشحط في دمائها. يا للعدالة الشعرية، كانت حياتها مريبة ونهايتها قاسية. تمت.
ضجت القاعة بالتصفيق عندما أنهى محمد قراءة الفصل الأخير من روايته ” قاتل عبثي” بعد عدت أسئلة ومناقشات انتهت حفلة التوقيع تلك وهم الحاضرون بأخذ الصور التذكارية مع المؤلف. خرج محمد وزوجته من القاعة متجهين إلى سيارته لكي يذهبا إلى منزلهما، وكان صديقه خالد يسير معه حتى السيارة. قال خالد “ألم تجد نهاية غير تلك لكي تنهي بها الرواية؟” رد محمد ” يا صديقي لقد مللنا من النهايات السعيدة، لابد من نهاية تجمد الدم في العروق، إن الجمهور يستمتع بهذه النهايات” ضحك خالد وقال” ألا تلاحظ أنك تقتل النساء فقط في رواياتك؟ هل لهذه مدلول ما؟ رد محمد ” ربما، لا أعرف” نظرت له زوجته نظرة ذات
معنى، وقرصته دون أن يرى، تألم ولم يعقب. استقلا السيارة حتى وصلا إلى المنزل. ما إن دخلا إلى المنزل حتى احتضنته وقالت” مبارك يا حبيبي، كانت ليلة جميلة ونجاحًا باهر” قبل رأسها وقال ” الفضل لك يا حبيبتي، أنتِ الداعم والمشجع الأول لي” أنهيا العشاء وراحا في ثبات عمييييييييييييق بعد ليلة مرهقة.
في اليوم التالي خرج لمقابلة صديقه خالد الذي ألح على مقابلته، رغم أنه لم يكن ينوي الخروج هذا اليوم. وصل إلى المكان المحدد، وجد خالد في انتظاره، سلم عليه وجلس، طلب لنفسه عصير منتظرًا خالد أن يخبره بذلك الموضوع الذي يزعم أنه خطير. قال خالد” هل قرأت الجريدة هذا الصباح؟” رد محمد بسخرية “منذ متى وأنا أقرأ الجريدة؟ أنت تعرف أنني لست مهتمًا إلا بالكتابة فقط” أخرج خالد جريدة من حقيبته وفتحها على صفحة معينة وناولها له وهو يقول” حسنًا، فلتقرأ هذا الخبر أيها المبدع” نظر إلى الجريدة نظرة عابرة وهم أن يعيدها له حتى نظر إليها بلهفة مرة أخرى. هناك خبر بخط كبير واضح يقول ” مصرع الدكتورة دينا وليم أمام شقتها والقاتل مجهول” نزلت عينه دون إرادة منه إلى التفاصيل حيث كُتب أن القاتل قام بذبحها دون رحمة. شرد محمد قليلًا هل هي مصادفة؟ ولهذه الدرجة؟ الخبر يقول كذلك أنها طبيبة أمراض نساء، لم يكن لها أعداء أو خصوم. أفاق من شروده على صوت خالد وهو يقول” ما رأيك؟” قال وهو يبتلع ريقه ” رأيي في ماذا؟” قال “فيما قرأت، ألم تلاحظ شيئًا غريبًا؟” ضحك ضحكة باهتة وأجاب “ماذا تقصد؟” قال ” هذه بشائر روايتك الأخيرة” قال بنبرة حادة ” هل تعني أنني المجرم؟” قال خالد محاولًا تلطيف الأجواء “أنا لم أقل ذلك، ولكن هناك من قرأ الرواية وبدأ في تنفيذها” قال مشمئزا ” هل تأثرت بفيلم بطل من ورق؟ هل أبدو لك مثل رامي قشوع؟” قال مردفًا ” لا، ولكن ألا ترى معي أن الجريمة تعود لطبيبة نساء، وأنهم وجدوها مقتولة أمام شقتها؟ ماذا عن الفصل الأخير بروايتك الحمقاء تلك؟” قال ” ربما هي مصادفة” قال خالد ” أنا أؤمن أن كل ما يحدث لنا مقدر ولا دخل للصدف فيه” قال محمد محاولًا الهروب من ذلك الموقف التعس” حسنًا، سوف أسير معك لنهاية الطريق، وسوف أريك أنها محض صدفة. أتذكر سالي صديقتنا بالجامعة؟” رد وقد أربكه سؤال محمد ” مالها، إننا كنا مراهقين وقتها، ثم لم يحدث شيء بيننا” أكمل ليحرجه أكثر” ما لك خِفت هكذا؟” قال وقد بدا الارتباك واضحًا عليه ” أنا لم أخف، أنا الآن رجل متزوج ولا أريد شوشرة” قال وهو يضيق عينيه بخبث ” واضح أنك لا تريد شوشرة، أنت لم ترى وجهك بالأمس حين دخلت القاعة وجلست بالصف الأول على بعد عدة مقاعد منك، لقد بان كل شيء على وجهك يا صديقي” قال بخوف” أنت تهذي، وأنا مخطئ أنني اتصلت بك وحدثتك في ذلك الموضوع” خبط محمد بيده على المنضدة وقال” المهم، لكي ننهي هذا الحوار التافه، سوف أكتب قصة تكون أنت وسالي بطليها لكي نرى هل سيخرب بيتك أم لا؟ وهل أحداث رواياتي تتحقق أم هي محض صدفة؟” قال وقد امتقع وجهه” إذا كنت باقِ على صداقتنا لا تفعل” قام محمد من مكانه كأنه لم يسمعه وقال ” فلتحاسب لي على العصير، سلام” تركه جالس ورحل، مر في طريقه بالسوق ليحضر بعض المشتريات التي طلبتها منه زوجته وعاد مسرعًا إلى البيت. كان موضوع تلك الجريمة قد شغله حقًا، ولكنه تحدى نفسه وأراد أن يثبت لخالد أنه مخطئ وخائف أكثر من اللازم. دخل إلى غرفة المكتب وجلس، أمسك بعض الأوراق وقلم وهم بالكتابة، لم يشعر بالراحة يومًا وهو يكتب على حاسوبه الشخصي، كان دائمًا ينهي أعماله ويرسلها لأحدهم ليكتبها ومن ثم يرسلها إلى المطبعة. سرح قليلًا إلى أن أتى الإلهام فكتب:

مغامرات خالد
خرج جالد من الحمام ليجد زوجته جالسة على الأريكة ممتقعة الوجه ويخيل إليه أنها كانت تبكي. سألها ما بها، حاول أكثر من مرة أن يعرف ولكنها تخبره أنها مرهقة من عمل المنزل طوال اليوم. قامت لكي تجهز طعام العشاء، أشعل التلفاز دون أن يقلب المحطات، فقط أراد أن يسمع صوت بجانبه. أمسك بهاتفه ليفاجئ أنه مفتوح على تطبيق” واتساب” وأن هناك محادثة مفتوحة تخص “سالي” تغير لون وجهه، كان عليه أن يحذف تلك المحادثة قبل دخوله الحمام، زوجته تعرف رقم هاتفه السري ولكنها لم تجرأ سابقًا أن تفتش في هاتفه. لا يعلم لماذا تذكر حديثه مع محمد في الصباح عن أنه سيكتب قصة تجمعه وسالي. هل يعلم حقًا أنهما عادا للحديث والرسائل مرة أخرى؟ أم أنه كان يخمن؟ لقد شعر بالرعب الشديد من محمد، هل يملك الشفافية لهذه الدرجة، أم أنه على اتصال بعالم الجن؟ يكاد يجن ولا يعلم ماذا يفعل الآن. قام مسرعًا إلى المطبخ يحاول أن يشرح الموقف لزوجته لكيلا تنقلب حياته رأسًا على عقب. دخل المطبخ ليجد زوجته تستند إلى الثلاجة وغائبة في نوبة بكاء شديدة. اقترب منها ووضع يده على كتفها وهم بالكلام لكنها صرخت في وجهه لكي يبتعد عنها، خرجت من المطبخ وذهبت إلى غرفة النوم وهي تقول ” أنا ذاهبة إلى منزل أبي، من فضلك أرسل لي ورقة طلاقي في الصباح” لم يعول على حديثها كثيرا، أمسك هاتفه واتصل بمحمد لكي يوبخه أشد توبيخ. رن الهاتف مرة، مرتين، ثلاث ولم يجيب. نزل مسرعًا وأوقف سيارة أجرة واتجه إلى منزل محمد. رن الجرس كثيرًا وبلهفة، وما أن رأى محمد أمامه حتى سدد له لكمة قوية في وجهه جعلت الدم يسيل من أنفه. لحسن الحظ أن زوجته غير موجودة. زوجته تغيب عن المنزل كثيرًا ولا يعلم أين تذهب، ولم يجرب أن يسألها. هم خالد أن يناوله لكمة أخرى، لكن محمد قام بصدها وبادله اللكمة، ثم أحاط به وسأله “ماذا جرى يا مجنون؟” قال خالد والغضب يتملكه” هل ستتصنع الدهشة والبلاهة مرة أخرى؟” قال محمد ببعض الدهشة” ماذا تقصد، أنا لا أفهم شيئًا، فقط اهدأ وكلمني” قال خالد” ألم أخبرك ألا تلعب معي هذه اللعبة القذرة؟ لقد تسببت في خراب بيتي” قال محمد وعلامات الدهشة مرسومة على وجهه ” لا تقل لي أنك تشاجرت مع زوجتك، ولا تقل لي أن القصة تحققت مرة أخرى” بصعوبة بالغة حكى خالد الموضوع مفصلًا لمحمد وأخبره أن هناك شيئًا غريب يحدث، بل واتهمه أنه ساحر يستعين بعالم الجن أو هو مجرم يخطط لجرائمه بدقة شديدة. خيم الصمت قليلًا، فقام محمد وأحضر الأوراق التي كتب عليها القصة. أخبر خالد قبل أن يفتح الأوراق أن ما كتبه كان عبارة عن أن خالد وزوجته كانا يتمشيان في الشارع فيفاجئ خالد بسالي في الطريق فيسلم عليها ويعرفها بزوجته، ولكنها تشعر بالغيرة ويدخلا في نقاش حاد بعد رحيلها يجعل الليلة لا تمر بسلام، هذا فقط ما كتبه ولا يعلم سبب لما حدث، بل لا يعلم ان هناك حديث ورسائل بين خالد وسالي. فتح أمامه الأوراق لكي يتأكد بنفسه ولكنه رأى كلامًا جعل شعر رأسه ينتصب. كان هناك عشاءًا هادئًا وكانت تلك الوجبة الأخيرة لخالد. بشيء من الذكاء عرف مضمون ما سيحدث. نظر لخالد نظرة دهشة واشفاق، كذلك شعر بالرعب لأنه لم يكتب تلك الأحداث، رأى خالد علامات الدهشة على وجه محمد فسحب منه الأوراق لينظر فيها فوجدها فارغة فقال” هل تمزح معي؟” لم يكمل جملته لأن هاتفه رن ووجد زوجته تتصل به أجاب خالد بلهفة ثم استغرب لأنها كانت تكلمه بلطف ولما سألها عن المشاجرة التي حدثت بينهما منذ قليل، ردت ببلاهة وقالت إنها كانت تعد العشاء وفجأة لم تجده ولم تحدث أي مشاجرات. اندهش لما يسمع وأخبرها أنه قادم حالًا. فتح الأوراق التي كتب بها محمد قصته واندهش لأن الورق كان أبيض لم تخط به كلمة فوجئ ومحمد بما يحدث وأخبره خالد أن هناك شيئًا مريبًا يحدث، لم يجد محمد تفسيرًا لكل تلك الأحداث الغامضة، هل تصحبه لعنة ما؟ اعتذر خالد لمحمد عما بدر منه ووعده أن يلتقيا في الغد ليجدا تفسير لما يحدث. حاول محمد أن يجعل خالد يبقى معه ولا يذهب للمنزل، لكن خالد اتهمه بالجنون، ثم ودعه واتجه مسرعًا إلى البيت. مرت تلك الليلة على محمد بصعوبة شديدة، كان ينتظر الخبر الأليم في أي لحظة، لكنه يأمل أن ما يحدث مجرد صدف. كان قد أغمض عينيه بصعوبة، ليستيقظ على صوت زوجته وهي تبكي. قام مفزوعًا وسألها “خالد؟” أومأت برأسها أن نعم. قام مسرعًا وبدل ملابسه واتجه إلى منزل صاحبه. دخل من الباب ليجد زوجته في حالة بكاء هستيري، اقترب من والده وسأله كيف حدث قال والده” قالت زوجته أنه كان عائدا من الخارج مسرورًا، لا تعرف أين كان، دخل لكي يأخذ حمامًا وطال مكوثه، طرقت زوجته الباب عدة مرات ولم يجبها، وعندما فتحت الباب وجدته ملقى على الأرض وحوله بركة من الدماء” انتظر معهم حتى انتهت إجراءات الدفن ووقف مع والده لكي يأخذ العزاء، ثم عاد إلى منزله في آخر الليل منهكًا. دخل إلى غرفة المكتب، فتح النور فقفز في مكانه، لقد كان مشهد مفزع بحق لقد كان القلم يكتب وحده. اقترب ليتأكد مما يراه، أمسك بالأوراق وتفحصها، وصدم مما قرأ. لقد كانت كلها جرائم. هل كان يستخدم كأداة لكتابة تلك الرواية؟ أم أن ما يكتبه يتحقق فعلًا؟ قام بتمزيق كل الأوراق المكتوبة ومسودات الروايات التي عزم على إكمالها، ألقاها جميعًا والقلم من النافذة، لقد كان يشعر بالرعب الشديد. ترى من سيتعرض للأذى في المرات القادمة؟ أخذ حمامًا ثم اندس في سريره سريعًا، حاول أن يبرر ما رآه أنه من تأثير الإرهاق طوال اليوم، وأن ما حدث لخالد صدفة أو قدر، فليسمونه ما شاؤوا ولتذهب الكتابة لا بل الجميع للجحيم. استسلم لنوم عميق، أيقظته زوجته بعد الظهر. تناولا الإفطار-أو الغداء- سويا ثم جلس على الأريكة وظل يفكر. انتبه على صوت زوجته وهي تسأله” ألن تكمل تلك الرواية؟” سألها دون تركيز “أية رواية؟” لوحت أمام عينيه بمجموعة أوراق وقالت” هذه، زوجتي والعهد” انتفض من مكانه وقال” أنا لم أكتب هذه الرواية” استغربت زوجته من ردة فعله المبالغ فيها وقالت” إذًا من أين أتت، هل كتبت نفسها؟” أجاب بخوف بعد أن سمع جملتها الأخيرة ” أجل، إن تلك الرواية كتبت نفسها أقسم على ذلك. بالأمس عندما عدت من عزاء خالد دخلت إلى غرفة المكتب فوجدت القلم يكتب وحده دون أن يمسك به أحد، فقمت بتمزيق الورق وألقيت به والقلم من النافذة” قال تلك الجملة ولم يستطع أن يسيطر على دموعه التي انهمرت مدرارًا. اقتربت منه زوجته وربتت على كتفه وقالت بحنان” حبيبي، لابد أنك كنت تهذي من أثر اليوم الفائت، ولا بد أنك بدأت في تلك الرواية منذ فترة ونسيتها، إنها رواية رائعة بحق، أرجوك يا حبيبي فلتكتب من أجلي” بدت ملامح الغضب تظهر على وجه محمد وهم أن يصرخ في وجه زوجته، لكنه رأى مشهدًا جمد الدم في عروقه، لقد تحولت زوجته إلى شيطان. إذا كنت قد رأيت شيطانًا من قبل فلسوف تريحني من الوصف، أما إذا كنت لم تره فلن أصف لك لأن المجال لا يسمح بالوصف” آسف على الاستطراد” لقد رأى محمد وجه زوجته يتحول لأقبح وجه رآه في حياته، وجه لم يره حتى في كوابيسه المرعبة. هو كاتب رعب ولكنه لم يتخيل يومًا أن ينقلب السحر على الساحر. أمسك ذلك الكائن-الذي كان زوجة محمد منذ قليل- بمعصمه ومحمد ينظر إليه دون أن تطرف عيناه، على الأرجح لم يعد موجود في عالمنا المادي. تكلم ذلك المسخ بعد فترة صمت لم تكن قصيرة، خرج الصوت كأنه آت من الجحيم” هل نسيت نفسك أيها البشري؟ أنت مجرد خادم لنا فلتفعل ما يطلب منك” حاول أن يرجع الدم إلى عروقه ويستجمع شجاعته ويقول بصوت مبحوح” من أنت؟ وأين زوجتي؟” ضحك المسخ ضحكة كفيلة بهدم البناية وقال” ألم تفهم بعد؟ إن ما تطلقون عليه حقيقة هو الخيال بعينه، وما تطلقون عليه غيب وخرافة لهو عين الحقيقة. إن من كنت تحسبها زوجتك هي واحدة منا، استطعنا من خلالها تجنيدك وجعلك تكتب ما نريد” أطلق ضحكة مريعة مرة أخرى وأضاف” منذ امتهنت تلك المهنة وأنت خادم لنا، كنت تحسب نفسك كاتب كبير لا يشق له غبار، ولكن في الأصل كنت تكتب ما نقدمه لك، كنا إذا أردنا الخلاص من أحد الحمقى الفضوليين ألقينا إليك الفكرة لكي تكتبها ثم نبعث من يقوم بالتنفيذ. وبما أن البشر بعقولهم القاصرة لا يصدقون بسهولة ويلقون كل شيء على الصدفة؛ فمهمتنا كانت في منتهى السهولة” سأله محمد بخوف “وما ذنب هؤلاء؟ أنا لا أعرف تلك الطبيبة التي قُتلت ولكني أعرف خالد وأعرف أنه لا يستحق” رد المسخ وقد بدأ يشعر بالملل” ألم أقل إنكم مجموعة من الحمقى، لقد عرفت الطبيبة سر من أسرارنا، وكذلك خالد، لقد كنت وحدك المخدوع، والآن حانت نهايتك.”
دخلت الممرضة إلى الغرفة لتجد محمد يعلق منشفة في مروحة السقف ويهم أن يشنق نفسه. صرخت صرخة عالية أتى على إثرها باقي طاقم التمريض، أمسك به اثنان أشداء ووضعوه على السرير وقيدوه، ذهبت إحدى الممرضات لكي تأتي بالطبيب. غابت برهة ثم عادت والطبيب معها، أمرهم أن يعطوه حقنة مهدئ ويشددوا الرقابة عليه، وأخبرهم أن يبلغ أحدهم زوجته لكي تحضر الآن.
جلس الطبيب في مكتبه يعد بعض التقارير، مرت ساعة وهو على ذلك الوضع، وإذا بإحدى الممرضات تقرع الباب وتستأذن الطبيب في الدخول. دخلت وأخبرته أن المدام سالي زوجة الأستاذ محمد تقف على الباب، سمح لها بالدخول وطلب له عصير. جلست أمام الطبيب على المكتب وهي تقرأ للمرة الألف اسم الطبيب: د. خالد عبد التواب مدير المصحة. دون مقدمات أخبرها أن حالة محمد تسوء ولا تتحسن، وأعاد عليها السؤال أن تخبره لو كان محمد تعرض لأي صدمات قبل ذلك. خلعت سالي نضارة سوداء من على وجهها، فرأى الطبيب وجه رقيق جدا، ملامح دقيقة تعود لطفلة وليست لسيدة. لاحظت سالي أن الطبيب يدقق النظر لها فتنحنحت وبدأت في الحديث ” كان محمد يحلم أن يصبح كاتب كبير مشهور، منذ عرفته وهو يكتب، استحوذ الأمر على تفكيره بشكل مرعب حتى أنه ترك عمله في شركة أبيه لكي يتفرغ للكتابة، ولكن ذلك لم يؤثر علينا لأننا كنا نملك المال الذي يجعل حياتنا تستمر سواء أنا أو هو. منذ عام تقريبًا أخبرني أنه بصدد كتابة رواية سوف تقلب عالم أدب الرعب رأسًا على عقب. تحمست له لكي يتشجع، وبالفعل بدأ في كتابتها، كان يطلعني على كل فصل يكتبه وأنا أشجعه لكي يستمر. للحق لم يكن يعنيني أن يتم كتابتها أو لا لأنني لم أكن من هواة القراءة، ولكني كنت أشجعه كنوع من الواجب. استمر في ذلك الأمر حوالي عشرة أشهر، ثم خرج من مكتبه ذات ليلة وهو يصيح كالأطفال والفرحة تظهر جلية على عينيه. أخبرني يومها انه انتهى من الرواية وسوف يرسلها إلى دار نشر لكي تنشرها له، وإن كان سيدفع التكاليف كاملة لا يهم. بالفعل خرجت الرواية للنور وقام ودار النشر بتجهيز حفل توقيع كبيرة ودعا العديد من النقاد وأرسل لهم نسخًا من الرواية لكي يكتبوا عنها، وفي الحفل كانت الصدمة. لقد أخبره النقاد صراحة أن ما يكتبه لا يمت للأدب بصلة فضلًا على أن تكون رواية رعب. انتهت الحفلة وعدنا إلى البيت، وظل حبيس غرفة المكتب لا يخرج منها ليومين. حاولت أن أجعله يخرج بشتى الطرق، ولكنه كان يصرخ بوجهي دائمًا ويأمرني بالخروج. بعد مدة بدأ يمارس روتين يومه العادي ولاحظت أنه عاد للكتابة مرة أخرى، لكني لاحظت شيء غريب هذا المرة، لقد كان يتحدث مع أبطال روايته الجديدة، كنت أسمعه في الفترة الأخيرة كأنه يرجو شخص ما أن يتركه يعيش. لقد شعرت بالرعب في هذه الأثناء. أخبرت والده بالأمر فاندهش وجاء ليراه بنفسه، وذات ليلة بينما كنت جالسة ووالده في الصالة إذ به يخرج علينا وهو يصرخ: لقد تحرر الكيان والويل كل الويل لأهل الأرض.
عرقله والده وأمرني أن أحضر شيء لنقيده، رغم انصياعي إلا أنني كنت خائفة جدًا على زوجي. قيده والده بإحكام واتصل بأخيه وأحضروه إلى هنا” قال د. خالد ” لا تقلقي، لقد مررنا بمثل هذه الحالة كثيرًا، إنها نوع من البارا نويا ولا شك، هنا يشعر المريض أن أحدهم يطارده أو أنه مكلف من جهة ما بإتمام مهمة. هناك الكثير مروا بتلك التجربة وأشهرهم عالم الاقتصاد الشهير جون ناش الذي حصل على جائزة نوبل..” لم يكمل جملته لأن الباب فتح دون مقدمات ودخل أحد الممرضين يخبر الدكتور أن محمد يمر بنوبة شديدة من التشنجات. ذهب الطبيب مسرعا ومعه سالي إلى غرفة محمد ووجده على هذه الحالة فعلًا. أمرهم أن يجهزوا محقنًا آخر وسوف يعطيه له بنفسه. كان محمد يهذي بكلام كثير ولكن إذا دققت سوف تفهم بعض الكلمات، كان يقول ” لقد بدأ الغزو، احذروا منهم، انهم بينكم الآن…ساااااااااااااالي” كانت تلك آخر كلماته فقد بدأ الدم ينزف من أنفه وخمدت أنفاسه أخيرًا. صرخت الممرضة الموجودة بالغرفة عندما رأت المشهد، بينما سالي ارتدت نظارتها وخرجت. أمرهم الطبيب أن يجهزوا جثته لإرسالها للمشرحة، خرج ليجد سالي تقف وحيدة وقد بدا عليها التأثر، قام بتعزيتها وتركها لكي يكتب تقرير عن الحالة، يكاد يجزم أن سالي قد تغير لون عينيها، والغريب أنها لم تكن تبكي. جلس الطبيب على مكتبه وبدأ في كتابة التقرير، توقف فجأة وهو يردد ” ماذا كان يقصد بجملة إنهم بيننا الآن؟” هو طبيب أمراض نفسية ويعرف هذه الحالات جيدًا ولكنه شعر بالقلق من كلام محمد، ثم أقنع نفسه أنه مجرد هذيان.
على الجانب الآخر، ركبت سالي سيارتها وابتعدت لمكان آمن لا يراها فيه أحد. أمسكت جهاز يشبه اللاسلكي وقالت” أيها الأب العظيم، أبشرك أن الشاهد الوحيد قد مات، ولكن يجب أن نتأخر قليلًا حتى ينسى أهل الأرض الموضوع” قال الكيان بصوت حازم “لقد بدأ الغزو بالفعل، فلتفعلي ما طلب منك

أضف تعليقاً