كان أبي يقول “مهما نكره الحرب قد تضعنا الحياة وجها لوجه مع معركة ما، وسوف نخسر إذا خضنا غمارها خائفين أو متردّدين. “

أحملق في الباب المغلق قبالتي. أحاول ترتيب أفكاري. أمرّر يدي على جبيني. أنظر في ساعتي.
استجمع الصور في ذهني، وفي سرّي أستذكر الكلام الذي سوف أقوله.
أشعر ببعض التوتّر والارتباك ولكني لن أتراجع. لن أعدم المحاولة. هناك خطوة أولى دائما، وعلى أحدٍ أن يخطوها.. ربما وجب أن يكون أنا.
هذا الصباح حسمت أمر الفكرة التي راودتني منذ شهور. سائق سيارة الأجرة كان سينعطف شمالا، كما كل يوم، عندما طلبت منه أن يأخذ الشارع المعاكس لمقر الشركة.
أتساءل فقط… هل سيصدّقونني؟ ماذا لو استهانوا بي أو قزّموا القضية ونصحوني بنسيان الأمر ؟ حجّتي واهية مع غياب الأدلّة، وحتى لو هناك دليل فسيكون ضعفي مقابل قوّته، وضعي الاجتماعي مقابل نفوذه وأمواله، تكويني الأنثوي مقابل عالم الذكورة المتجبرة الطاغية المنحازة.
حين يُفتح هذا الباب، بعد لحظات، ويدعوني مفتش الشرطة للدخول سوف تبدأ المعركة.
كان أبي يقول “مهما نكره الحرب قد تضعنا الحياة وجها لوجه مع معركة ما، وسوف نخسر إذا خضنا غمارها خائفين أو متردّدين. ” مسكين يا أبي، ربحتَ معركتك بعد صراع مرير مع الظلم، لكنك لم تهنأ بالنصر. سكتة قلبية أودت بك أسابيع فقط بعد غلق قضية الاختلاس التي لفقوها لك. ومع ذلك أتصوّر أنّك متّ سعيدا لأنك لم تستسلم…
يقال أنّ الموتى يشعرون بمآسي الأحياء. كم أحتاج لأن أومن بذلك لكي أتصوَرك الآن معي… تساندني.
لست أشعر بالخوف. في أقصى الحالات سوف أخسر وظيفتي. لا يهم..لكنّي أتمنى لو كنّ معي الآن… سعاد أو نوال أو منيرة أو سمية.
” اليد الواحدة لا تصفّق “… يصهل الإحباط داخل رأسي، بينما صوتٌ واثق، يهزّني ” ولكنها تصفع ! “.
كأنّه صوت أبي ؟!
سمية لم تأت. خذلتني. لا فائدة ترجى منها. حاولت جعلها تغيَر رأيها. أرسلت لها عدَة رسائل قصيرة منذ ليلة البارحة. لم ترد. أعرف موقفها. قالت لي بصريح العبارة ” لا تنتظري مني أن أكون معك ” وتلعثمت ” هو…هو لم يفعل شيئا. مرة واحدة، أو مرّتين، لا أذكر، لمسني في…في صدري… فقط. ”
و أشاحت بعينيها عن نظراتي.
كنت أعرف أنها تكذب.
” فقط ؟ ” صرختُ فيها لحظتها ” ماذا تنتظرين أن يفعل ؟ “. لم تقل شيئا. تركتني أصارع غضبي واستدارت نحو مكتبها.. أعرف أنّ الخوف يمنعها، لا تستطيع أن تغامر بوظيفتها وسمعتها..من سيعيل والدتها المقعدة وإخوتها الصغار ؟ الخوف يمنعهنّ جميعا. الخوف من الناس تحديدا. منيرة قالت لي ماذا سيقول الناس ؟ نوال أيضا. الناس…الناس.. هل سيمد الناس لك أيديهم وأنت تغرق في الوحل ؟
لا أدري لم لا تكون الأمور كما تبدو، أو كما نتمناها ونحلم بها.
من كان يصدّق أنّ ذاك الخمسيني الوسيم الأنيق هو في الحقيقة رجل متصاب، يعيش أسير أهوائه وغرائزه الحيوانية.. أراد أن يمارس اللعبة نفسها معي غير أنّ الحظ لم يحالفه. غرّته ابتسامتي الخجولة ولم يدر بأنّ وراء ملامحي الجميلة الناعمة ومظهري الهادئ الوديع فكرا متوثّبا وعقلا حرونا لم يعوّدني أن أخونه.
أتذكَر البداية بالتفصيل.
دخلت مكتبه في صبيحة يوم ربيعيّ مشرق، وكان قد مرّ أسبوع على التحاقي بمنصبي الجديد. كنت أنوي ترتيب بعض الملفات في الخزانة، عندما باغتني قائلا :
– دعي الملفّات مكانها، أنا سأرتّبها عنك.
ثم أضاف وهو يشير إلى يدي بحركة من رأسه :
– هذه اليد الناعمة لم تخلق سوى لتقطيع الكعكة !.
رفعت يدي عن الملفات. نظرت إليه. تمتمت بكلمات شكر، ثم حملت دهشتي وخرجت من مكتبه وأنا أشعر بشيء من الزهو.
لا توجد أنثى لا تسعدها عبارات الإطراء والثناء.
في الرواق وقفت مذهولة، أقلّب يدي، أنظر فيها كأنّي أكتشفها لأوّل مرّة.
هذه اليد ؟ يدي ؟ لم تخلق سوى لتقطيع الكعكة ؟ وأنا التي عانيت، ومازلت، من حمل المكنسة وتقطيع الثوم والبصل ؟!
يا له من رجل ! يا لسحره ! تقطيع الكعكة ؟! كنت أحسب أنني فزت بمنصب أحسد عليه في شركة كبيرة !
قبل ذلك اليوم، كان قد وصلني كثيرٌ من الهمس حول أناقة المدير وسحر حديثه ووسامته. ولأنّه دائما، في كل مكان عمل، يزوّدك موظف ثرثار /عادة يكون امرأة !/ بالأخبار والأسرار، فقد تطوّعت، عن طيب خاطر، موظفة مسنَة، دميمة الوجه، لتخبرني بأنّ المدير لم يفصل السكرتيرة التي كانت قبلي بسبب ارتكابها خطأً مهنيا لا يغتفر، كما يشاع، وإنّما لأنها غبية.
ثم قالت لي وهي تغمزني بطرف عينها وتبتسم بخبث ” لا تكوني غبية مثلها !”.
لم أستوعب قولها، ولكني لم أهتم. غير أنّ الأيام التي تلت كشفت لي عن مفهوم الذكاء عند دميمة الوجه !
أن أكون ذكية معناه أن أتغاضى عن ملامسة يده ليدي أو كتفي أو ذراعي، أو خدّه يكاد يلاصق خدّي، أو أنفاسه تفحّ في وجهي وهو ينحني بحجة توقيع أوراق فوق مكتبي. الذكاء أن أوافق على البقاء برفقته خارج أوقات الدوام، أن أقبل هداياه ودعواته للخروج، بل وأقنع نفسي بأنّ ذلك من صميم العمل، وربما يدخل في منحة المردود المهني.
و بدأت أختنق وأنا أحس بشرنقته تلتف حول عتقي، وحصاره يدكّ حصون عقلي.
و عبثا كنت أبدي نفوري من تصرّفاته، واشمئزازي من عباراته المبطّنة وتعليقاته الشهوانية ونظراته الجائعة التي تلاحق حركاتي وسكناتي… ظل يحاول إغوائي، متماديا في رعونته ونزقه، لا يفهم ولا يرعوي.
و كان أن فقدت أعصابي تماما عندما تطوّر الأمر ليصبح التلميح تصريحا، بل تهديدا واضح اللهجة.
أحملق في الباب. أفكّر في ما أنا مقدمة عليه. أشعر بالقلق. وقعُ خطوات أنثوية يشوّش تفكيري وإيقاع كعب عال يزيد من توتّري. يفقدني التركيز تماما.
و… تشهق الدهشة في صدري.
أمدّ يدي.. أمسك بيدها. أضغط عليها بشدّة..
ناعمة ودافئة. تسرّب دفئها إلى قلبي.
و كأنّما أحسّت تململ القلق في نظرتي، فانحنت سميّة برأسها على كتفي و… في أذني بصوت خفيض.. ” لا تقلقي. الدليل معي.”

أضف تعليقاً