جلس وسط القارب الصغير يجدف بقوة يحسده عليها الشباب، قلبه الخمسيني يرجف مع ضربات مجدافه، لم يبعد كثيرًا عن الفم المفغور، ينظر بفزع متزايد إلى دوائر الماء الواسعة التي تضيق رويدًا رويدًا، حاول أن يصرف بصره عن الثقب الأسود المرعب، لطالما حذره الصيادون من الاقتراب من الدوامات، فهي إن أنشبت مخالبها لا تبقي ولا تذر. مازال في وسعه الهروب من قبضة الوحش الجائع، لكنه عالقٌ بين النجاة والهلاك.
وما الجديد في ذلك؟ إنه لا يجيد في حياته أكثر من الوقوع في شرك البرزخ. منطقة البين بين. لا يشجع ناديًا بعينه، لا يتحيز لحزب ما، لا يعتنق فكرًا محددًا، الكل حوله في صراع، وهو لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، يبتغي السلامة، ينشد الغنيمة، وينأى عن الخطر. يحفظ لسانه وعينيه وأذنيه. يمشي داخل الحيط لا إلى جواره.
مسيرة تعليمه توقفت زمنًا حتى اجتاز ملحقًا بغيضًا، خطبته دامت سنوات حتى ينهي خدمته العسكرية. زواجه ظل يتلظى على صفيح ساخن، وهو حائر بين إرضاء زوجه وأمه، حتى بعد استقلاله في شقة بعيدة لم تخمد نار الصراع، بل ظلت جمرًا متقدًا تحت الرماد، يشتعل عند أول هبة من ريح الشقاق العاتية، لمجرد كلمة أو نظرة أو حركة ينفخ فيها الشيطان. ترقيته في العمل عُلقت طويلًا حتى تشغر الدرجة التالية بموت شاغلها أو نقله، حتى قانون الرسوب الوظيفي لم يهنأ به فقد جاء بعد إحالته للمعاش المبكر.
لولا قارب الصيد الذي ورثه عن والده، لجلس في البيت بلا عمل. فلقد طاف بلا جدوى على الشركات والمكاتب والمصانع، حتى المقاهي والمطاعم، لا أحد يرغب في توظيف كبار السن ذوي الخبرة، كلهم يريد شبابًا حديث التخرج يمصون دمه ويرمون له الفتات، حتى إذا كبرت سنه ووهن عظمه زهدوا فيه، فقد أصبح عبئًا ماليًّا، وقلت حيويته وإنتاجيته.
حين عثروا عليه في الصباح طريحًا في قاربه، لم تكن الدوامة هي التي أسقطته.

أضف تعليقاً