الصورة و الحب فـي موعــد مع القـــــدر
كتب لها على واجهة الصورة الفوتوغرافية التي جمعت بينهما لحظة لقائها به لأول مرة عبارة “إني أحبك”..، ذات يوم من أيام فصل الخريف توجه المصور الفوتوغرافي الشاب إلى الجزائر العاصمة حاملا معه حقيبة الظهر مجهزة بمعدات التصوير الفوتوغرافي التي يشتغل عليها، و على غير عادته كما كان من قبل يخصص حيزا من وقته ليلتقط الصور الفوتوغرافية فيها، هذه المرة كانت وجهته للجزائر مميزة عن سابقاتها من الزيارات و الجولات التي قادته فيما مضى إليها، كان ذلك من أجل حضور إفتتاح معرض للفن الثامن، فن الصورة الفوتوغرافية الخاص به، إذ كان مميزا بحضور ألوان متعددة لأطياف المجتمع من زوار المعرض و تشكلت باقة تلك الألوان الجميلة من جمهور عريض ذواق للفن بشكل عام و للفن الثامن، فن الصورة الفوتوغرافية بشكل خاص، و كان من بين الحضور زمرة من الإعلاميين و الكتاب المتخصصين في الأدب و الثقافة و الفنون بشكل عام، أسماء لمع و سطع نجمها في سماء مهنة المتاعب “الصحافة” على إختلاف مشاربها من المرئية و السمعية و المكتوبة (الجرائد)، موضوع المعرض كان متميزا ” الصحراء الجزائرية، صور و رسائل” و قد تفاعل معه زواره و أشادوا به، تحكي مجموعته الفنية المعروضة أو بالأحرى التي عرضت من خلال بهو فضائه الواسع على صور فوتوغرافية حول جمال صحرائنا الواسعة و مما تتمتع و تزخر به مددنا في الجنوب من إرث و معالم سياحية و تاريخية و مناظر طبيعية خلابة تسر الناظرين و تبهر الوافدين عليها من أجانب دائما ما يحكون أنهم بأمس الحاجة إلى شعاع الشمس الذي يعطيهم حسبهم طاقة إيجابية عند عودتهم إلى بلدانهم هناك و خاصة الأوروبيون، الذين يقضون عندهم فصل الشتاء باردا جدا و مما لابد منه تجديد العهد مع حرارة أشعة الشمس الدافئة هنا في صحراء بلادنا خلال فترة الخريف التي غالبا ما تكون هي الفترة المحبذة لديهم…
نواصل حديثنا عن الفنان المصور الفوتوغرافي، ذلك الشاب الجزائري الطموح لغد جميل لبلاده و يعبر عن ذلك من خلال جملة من الصور الفوتوغرافية التي إلتقطها من هنا و هناك، كما و قد عرض بعضها و لا يزال البعض الآخر ينتظر موعده مع القدر و هي في حد ذاتها حصيلة سنوات خلت للعديد من جولاته داخل الوطن، لتذكير أن عدد اللوحات الفوتوغرافية التي عرضت عبر هذا المعرض، قد تجاوزت العشرون صورة فوتوغرافية من الحجم الكبير، تعبر من خلالها على سكان و آهالي الصحراء من شيوخ و نساء و شباب، الأطفال الصغار هم كذلك حاضرون بقوة من خلال ما إلتقطته عدسة الفنان المصور و كذا الكتابات القديمة على الحجارة الكبيرة بما يعرف اليوم بـ “الحفريات” (هي الأخرى حاضرة و شاهدة على تاريخ و قدم المناطق الصحراوية في بلادنا و قد تواجدت منذ ما يقارب العشرات آلاف السنين فأكد ذلك علماء أوروبيين تدارسوا تاريخ تلك المناطق الصحرواية في الجزائر و أكدوا ذلك من خلال كتاباتهم العديدة و نتائج أبحاثهم المعمقة في مثل هذا التخصص علم ألآثار)، سفينة الصحراء “الجمل” و واحات النخيل الكثيفة التي تدر على زائريها بالراحة و السكينة و الطمأنينة هي الأخرى مجسدة و حاضرة بعدد لا بأس به من تلكم الصور المعروضة أو التي تم عرضها في ذلك الفضاء الكبير، صور معروضة إلتقطت بالألوان، البعض منها تعبر عن الرمال الذهبية، و أخرى إلتقطت بتقنية الأسود و الأبيض جسد من خلالها الوجوه لرجل الصحراء “بورتري”، صور في مجملها و ما تحمله من رسائل يمكننا أن نضعها في خانة الإنسانية، كيف لا؟ و سكان الصحراء يتحلون بالكرم و الجود و حسن الضيافة للأخر و بعض الشواهد التراثية قد تم إدراجها ضمن المعالم الإنسانية المحمية بنص قانون منظمة الأمم المتحدة للتربية و العلوم و الثقافة “اليونسكو” التابعة لهيئة الأمم المتحدة هي الآخرى جسدت على اللوحات الفوتوغرافية لذات الفنان المصور الفوتوغرافية…
كان من بين زوار المعرض الفوتوغرافي شابة جزائرية متواضعة السلوك و الجمال، في مقتبل بداية عقدها الرابع مقيمة في إحدى المدن الألمانية، تهوى في حياتها القراءة و الكتابة و هي مواظبة على عمود فني في واحدة من المجلات المتخصصة في الإبداعات الفنية (رسم، نحت، منمنمات، الصورة الفنية)، التي تصدر مرة كل منتصف الشهر و توزع عبر كامل أنحاء تراب ألمانيا و هي بذلك تستقطب قراء متميزين لهم مستويات و أذواق في شتى ميادين الفن و الإبداع، تتصف هذه الشابة الجزائرية أنها تحب و تعشق كل ما هو جميل من إبداعات و فنون (لنخبة من المبدعين العالميين كانوا أو فنانين في طريقهم إلى إقتفاء آثار سابقيهم في الإبداع و الفنون و لكن بميزة خاصة بهم)، كما كتبت عن ذلك ذات مرة في نفس العمود المخصص لها عبر المجلة “أنها تعيش و تحيا بالفن و الإبداع و كل ما هو جميل، و خاصة ما يذكرها بالوطن الأم الجزائر..”.
إنطلقت تلك الشابة الجزائرية المقيمة بإحدى المدن الألمانية برحلة مشاهدة و معاينة التحف الفوتوغرافية المجسدة و المعروضة من خلال المعرض الفردي لذات المصور الفوتوغرافي الشاب (الذي يشارف على نهاية عقده الرابع)، و عن قرب حينا تتأمل في بعض التحف الفوتوغرافية و حينا آخر تلتقط لها صورا فوتوغرافية من خلال آلة كاميرة التصوير الصغيرة الخاصة بها، و كلها إعجاب بجودة و نوعية التحف الفوتوغرافية و الزوايا التي إلتقطت من خلالها هذه الأخيرة و الرسائل التي تحتويها بالطبع، بالنسبة لها إذ تعكس مدى حرص الفنان الفوتوغرافي الشاب على أن يقدم للمتلقي (الزائر للمعرض) صورا إلتقطتها عدسة آلة التصوير التي كان يشغل عليها معظمها أي تلك التحف الفوتوغرافية تكتسي طابعا فنيا و حسا جماليا عاليا و غاية في الجودة و الإتقان، إذ تعبر و بإمتياز عن الموضوع المراد من خلالها الإشارة إليه و إحتوائها له، “سيميولوجيا الصورة” قد وفق فيها الفنان المصور الفوتوغرافي مما يتماشي و حسبها مع العنوان الذي أختاره للمعرض نفسه و هو ” الصحراء الجزائرية، صور و رسائل..
بعد انتهائها من زيارة المعرض الفردي الخاص بفن التصوير الفوتوغرافي أرادت الشابة الجزائرية أن تتعرف على المصور و تبدي له بذلك إعجابها الكبير بقيمة و قامة تلك التحف الفوتوغرافية التي تحمل توقيع هذا الأخير الفنان الشاب و ما جادت به إبداعاته من خلال مجموعة الصور الفوتوغرافية الملصقة و المعروضة خلال ذاك الفضاء الفني الكبير، كان لها أن طلبت ذلك من المشرفين على المعرض فدلوها عليه، بخطوات ثقيلة إقتربت من مكان تواجده، إذ لا تفصلها عنه إلا بضع أمتار و جدته واقفا بالقرب من تحفه يتحدث إلى ميكروفون قناة فضائية أجنبية، حينها و هو يتكلم مع الصحفية لذات القناة لمحها و هي تنظر إليه فبادلها النظرات من حين لآخر، بعد أن خلص من التحدث إلى القناة الفضائية الأجنبية، رأها تتجه نحوه و كانت بذلك تقصده، في بادئ الأمر ضن هو أي الشاب الفنان المصور الفوتوغرافي أنها صحفية و جاءت لتحاوره حول تحفه الفوتوغرافية مثلا، لكن سرعان ما أن قدمت نفسها له و عرفته بشخصها، بالرغم من أنها تحسن اللغة الفرنسية ناهيك عن الألمانية التي تجيدها بحكم إقامتها هناك لسنوات عديدة، فهي تتحدث مزيجا مختلطا بين العربية و الدارجة الجزائرية، أبدت له حينها إعجابها بالفكرة العامة للمعرض الذي أقامه، فرد عليها بأسلوب هادئ و صوت خافت “شكرا لك سيدتي، على هذا الإنطباع الرائع و الإحساس الجميل حول المعرض..”، فأكدت له أنها ستكتب عن هذا المعرض باللغة الألمانية و ترسل إلى هيئة التحرير بالمجلة المقال مدعمة إياه ببعض الصور التي إلتقطتها لترافق بذلك “وثيقتها الإبداعية” كي تنشر على فضاء صفحات المجلة و مرة أخرى أكدت له أن المواطنين الألمان من المعجبين الكثر بصحرائنا الجزائرية و هم بالتالي منبهرين بها، أيما انبهار و هذا مما سيعطي حافزا جيدا و يدفع بالعلاقات الإنسانية بين الشعبين و البلدين نحو آفق واعدة و كذا حكومتا بلدينا في التعاون أكثر و هذا في المجال الفني و الثقافي و بما فيه السياحي لما لا…
قبل أن ترحل الشابة المغتربة الجزائرية و تغادر بذلك فضاء المعرض إستأذنته بالإلتقاط صورة تذكارية تجمع بينهما، فكان لها ذلك، ثم بعدها تركت للفنان الجزائري الإتصال بها، رقم هاتفها الخاص و بريدها الإلكتروني و عنوان صفحتها على شبكة التواصل الإجتماعي عبر الفايسبوك و كذا إتصالها عبر “السكايب” كل هذا كان مدونا على بطاقة الإتصال الخاصة بها، و هي تغادر المكان بادلته بنظرات حميمية، نظرات إعجاب بفنه و شخصه…مرت الأيام و تطورت علاقة الفنان المصور الفوتوغرافي بتلك الشابة الجزائرية المغتربة عبر “السكايب” و من ضمن رسائلها أنها أرسلت إليه بتلك التغطية الصحفية التي وعدته بنشرها عبر المجلة باللغة الألمانية مدعمة بالصور التي إلتقطتها حينها، كانت متبوعة بورقة على الهامش مطرجمة لها و كان ذلك باللغة الفرنسية، و من جملة ذلك حملت له كذلك بأخبار جد سارة، أنه و بعد نشر المقالة عبر المجلة تفاعلت إحدى أروقة الفنون هنالك بألمانيا مع الصور الفوتوغرافية الخاصة بالشاب المصور الفوتوغرافي الجزائري و تود أن تعطيه الفرصة لإقامة معرض هناك بألمانيا، فكان له ذلك حيث أرسلت له عبر عنوان منزله بوثيقة “رخصة العرض” و قام هو بدفع الملف إلى قنصلية ألمانيا هنا بالجزائر، فقدمت له التأشيرة “الفيزا”، و بعد إتمام تحضير كل لوازمه الخاصة به من آلة التصوير إلى تحفه الفنية الفوتوغرافية في صبيحة يوم سفره و دع أهله و سافر إلى وجهته المقصودة لإقامة معرض فني هناك بألمانيا، إذ تم التكفل به هناك من قبل السلطات المحلية لكونها دعمت المعرض، يوم إفتتاح المعرض الخاص به كان الجمع غفير و كانت تلك الشابة المغتربة الجزائرية بجانبه تطرجم له ما قد قيل أو يقال عن تحفه الفوتوغرافية، و قد أعجب بها كثيرا و هذا ما زاد في توطيد العلاقة بينهما، من مهنية إلى صداقة إلى إعجاب فقدمته حينها في ألمانيا إلى أهلها هناك، حيث أعجبا والدا تلك المغتربة الشابة الجزائرية بطيبة سلوك و أخلاق الفنان الجزائري، بعد إنتهاء المعرض الفني عاد ذاك الفنان المصور الفوتوغرافي الجزائري أدراجه إلى حيث سكناه بالجزائر، و بقي محافظا على الإتصال مع تلك المغتربة الجزائرية، دعاها يوما ما إلى منزلهم حيث والديه و عرفها بهما و بمحيط عائلته، كان قد تطور ذلك الإعجاب بينه و بينها إلى أن صارحا بعضيهما البعض بما يختلج في نفسيهما من أحاسيس جميلة، و بعد تلك الزيارتين زادت العلاقة بينهما متانة و صلابة و تفتحا بينهما و أعلن لها تعلق قلبه بها و حبه لها و ما كان منها إلا أن رفعت له راية الإستسلام البيضاء، و أخبرته أن وجوده بالقرب منها قد شغفها حبا…
لقد تكللت قصة الحب التي نسجت، بين الشابة الجزائرية المغتربة و الفنان المصور الفوتوغرافي الجزائري بعقد قرانهما و أقاما على شرف ذلك وليمة اجتمعت عليها العائلتين، و بعد مضي خمسة سنوات على زواجهما و سعدا كل منهما بالآخر، حيث أعظم هدية منحت لهما من فوق السماء أن رزقا ببنت و ولد، و مرت الأيام و الشهور و في صبيحة يوم من الأيام تفقدت كعادتها أجندتها اليومية الخاصة بها فوجدت فيها ظرف بريدي بداخله صورة فوتوغرافية تجمع بينهما لحظة لقائها الأول به خلال المعرض الفني الذي أقامه، وقتها و بسرعة خاطفة استرجعت شريط ذكريات تلك اللحظات الرائعة و إنتابها شعور جميل، فإبتسمت لذلك و عيونها قد اغرورقت بالدموع لما لامست نظراتها على واجهة الصورة الفوتوغرافية، جملة مكتوب عليها عبارة “إني أحبك” ..