القصة القصيرة جدًّا بين جسديَّة القصِّ و روحانية التأويل
يتساءل الكثير من الكتاب من هواة و محترفين، هل تجنيس ما نكتب من أدب هو أمر ضروري؟!!
ففي كثير من الأحيان نسمع البعض يقول: أنا لا أفكر كيف سيخرج ما أكتب…أي هل سيخرج خاطرة أم قصة أم شعرًا!!
فذلك ليس من اهتماماتي و لا من أولوياتي…لأنني أرخي العنان لمشاعري و كلماتي لتكتب ما يفيض فيها من أحلام و أحاسيس و هموم و هواجس بعفوية كاملة و دون تصنع أو تكلف ثم بعد انتهائي من الكتابة، قد أنظر أو لا أنظر في تجنيس ما كتبت.
فإلى أي مدى يعتبر هذا الكلام دقيقًا و معبِّرًا و خادمًا للأدب و حافظًا للنصوص التي نكتب؟
عندما أنظر إلى التراث الأدبي الإنساني بشكل عام فإنني يجب أن أعي و أعترف بأنَّ كمًّا كبيرًا مما وصلنا كان مجنَّسًا تحت صنف أدبي معين، و ذلك لا يُنقِص من صِدقه و عفويته و جمال تدفق الخاطر و الأحاسيس فيه.
و إنَّ النص الذي لا يتبع جنسًا أدبيًّا معينًا غالبًا سيكون مصدره الضياع مع الأيام لأنه لن يتم حفظه في إطار معين يمكن الرجوع إليه بسهولة و في أي وقت.
إذًا يجب أن نتفق أنَّ التجنيس أمر في غاية الأهمية خاصةً إن كان مقصودَ و مرادَ الكاتب و هو لا يُبعد الكاتب عن عفويته و لا يحرمه من تدفق كلماته بصدق، بل إنَّه سيحفظ له كتاباتِه و سيسهل عليه الرجوع إليها في أي وقت و الأهم أنه يساهم في تأدية الرسالة المبتغاة من الأدب ألا و هي الرسالة الإنسانية و الاجتماعية و الجمالية.
و إذا ما كتبت شيئا تحت مسمى جنسٍ أدبيٍّ ما، فيجب عليَّ التقيد بالقواعد و الخطوط الأساسية على الأقل لذلك الفن، و إلَّا فعليَّ ألا أضعه تحتَ ذلك الجنس الأدبي.
فإذا اتفقنا مبدئيًّا على أننا لا يمكن أن نترك كتاباتِنا نهبًا لنوازع شخصية بحتة مفرطة في غرائبية الطرح و المسار تؤدي بها في النهاية إلى التلاشي و النسيان و الضياع فإننا يجب أن نعترف آنئذٍ أنَّهُ لا بدَّ لكل فنّ أدبي من قواعد نسير عليها و لو بالحدود الدنيا لنستطيع أن نصنف نصًّا ما تحت جنس أدبي ما…بحيث و إن كانت بعض النصوص متألقة و بعضها جيدة و أخرى ضعيفة لكنها بالمحصلة كلها توضع تحت جنس أدبي واحد.
تلك الحدود الدنيا هي ليست فقط قواعد و أطر على الكاتب تحقيقها أو الالتزام بها لينجح نصُّه في الولوج إلى عالم الجنس الأدبي الذي يقصده، بل في ذات الوقت هي تمثِّل إطارًا هامًّا للنقد و التداخلات النقدية و التأويلات الفنية التي تقوم على ذلك النص.
و لتوضيح القصد و الغاية فإنني سأنطلق لما اختصَّ به عنوان المقال حول القصة القصيرة جدًّا…لأضع قاعدة معينة
أو لأقوم بتشبيه النص القصصي بالجسد الذي لا بد له كي يعيش أن يمتلك قلبًا و رأسًا و أطرافًا و عيونًا و هكذا فكما نقول هذا عرق شرق آسيوي و هذا إفريقي…..الخ….فإنَّ جسد النص الأدبي يمنحنا من خلال مظاهره القدرة على أن نصنفه جسديًّا تحت جنس أدبي معين.
أما التأويلات أو ما يسمى بالقراءات النقدية و الفنية للنص فسأطلقُ عليها لقب الرّوح…تلكَ الرُّوح التي لا يعرف أحدٌ كنهها أو أسرارها، و لكنَّها في الوقت نفسه لا تفارق الجسد مطلقًا إلا عند موته، فإذا مات الجسد فارقته الروح، و مادام الجسد حيًّا تظل الروح ملازمةً له و منغمسةً فيه.
فكيفَ يموتُ نصُّ الققج جسديًّا، و هل يمكن للروح المستمدَّة من التأويل القرائي لهُ أن تبثَّ فيه الحياة؟
سؤالٌ يضعنا أمام إشكاليات كثيرة و يُحيلنا إلى صراعات فكرية فنية تجنيسية، مستمدة من اختلاف الرؤى حول هذا الفن الجديد، و للحق أقول إنَّ هذه الاختلافات تغني و تفيد أكثر مما تضر، و برغم التشوش الذي قد يحدث لمرتادي هذا الفن خاصة من الكتَّاب الجدد، إلَّا أنَّ الفائدة تتحقق أكيد من خلال هكذا نقاشات، تبرز أوجه الاختلاف و تظهر بعض النظريات الجديدة التي يحاول أصحابها تحميلها لهذا الفن الذي لم يعرف النور إلى الساحة الأدبية العربية إلا منذ بضعة عقود من الزمن.
في الوقت نفسه، لا بدَّ أن نعترف أننا أصبحنا نمتلك مكتبة ثريَّة من المدارس الأدبية ما بين الشرق و الغرب العربيين من حيث نظرتهما لهذا الفن، و الطرفان قد اتفقا على أغلب الأسس و التقعيدات حول هذا الفن و أهم تلك الأسس هي (التكثيف و التلغيز و الإيحاء و الرمز و قصر النص و الإدهاش و القفلة المباغتة و اللغة القوية التي تمنحنا القدرة على التكثيف و حسن استخدام الرمز و انفتاح قراءات و تأويلات النص….إضافة إلى بعض النقاط الأخرى الأقل أهمية).
لذلك فإننا غدونا نمتلك القاعدة العامة التي يمكن من خلالها أن نقوم بتجنيس النصوص من كونها ققج أم لا.
إنَّ موتَ النص القصصي لا يكونُ برأيي إلَّا حين يحدثُ ضياعٌ في تجنيسه و صعوبةٌ في تقييمه و بروز الاختلافات الشاسعة في أمر أرشفته تحت أي جنسٍ أدبي و عندها تضيع هويته و تسقطُ قيمتُه ذلك أنَّ كتاباتِنا ما هي إلا رسالات نرغب إيصالها، فمتى فقدت بوصلة التوجيه فقدت أهميتها و وظيفتها.
إنَّ موتَ النص جسديًّا يعني ببساطة عدم امتلاكه للقواعد الرئيسية للققج كالتكثيف و التلغيز و الرمز و قصر النص و القفلة المباغتة بشكل عام و التي تمثل العناصر الأساسية التي تم الاتفاق عليها تقريبا و التي ذكرناها سابقا هنا.
فإذا مات النص جسدًا بالاختلاف في تجنيسه بين الخبراء، و أجمع الغالبية على سقوطه من جنس الققج فإنّ روح التأويل التي يحاول البعض غرسها في ذلك الجسد لن تستطيع مهما حاولت الاندماج فيه و بعثه للحياة من جديد.
و ذلك مهما قدمَّت تلك الروح من تجميل لنفسها و مهما قدَّمت من المغريات و المكياجات لتزيين ذاتها بغية أن يرحب بها الجسد الميت…فإنها لن تحصدَ سوى الرفض و الهزيمة.
و لعلَّ روح التأويل تحاول الالتفاف على الجسد و تجرِّب أن تخدعه ليقبل بها، و تحاول أن تصور له أشياء غير موجودة لديه، لتقنعه بأنه حيٌّ يرزق، فتصنع له عينين و لسانًا و شفتين، و ذراعين و قدمين و رأسًا، و لكنَّها للأسف لا تستطيع أن تمنحه القلبَ النَّابض بالحياة…ذلك القلب الذي يجعل الآخرين يُقبلون عليه و يتلقونه بلهفة و شوق و محبة.
لكنَّ التساؤل الذي يطرح نفسه الآن: هل انفتاح القراءات و التأويلات لنص الققج له حدود معينة أم أنه مفتوح الآفاق؟!فمن الملاحظ ظهور بعض المدارس التي تضع النص و تبدأ بالبحث في معالم الفلسفة و الخيال و التخيل و تذهب إلى تطبيق نظريات تلك العلوم على النص المسكين البسيط الذي لا يحتمل كل تلك التأويلات و القراءات المغرقة في تحميل كلمات و عبارات و أفكار النص أشياء بعيدة في أغلب الأحيان عما يريد النص تقديمه، و بالتالي نرى تطبيقات بدون استدلالات أو تبريرات مقبولة من داخل النص، و كأن غاية تلك المدارس هي بسط تلك الرؤى الفنية و الفلسفية و التخيلية و تركيب عبارات ذلك النص عليها دون وجه حق و بذلك ترهق الكاتب أولا و ترهق النص و ترهق صاحبها الذي تجشم عناء القراءة و التأويل..ذلك التأويل الذي يبدو و كأنه روحاني المظهر، فتشعر أنَّك أمام شيء من الشعوذة يزيغ نظرك عن الحقيقة و يبعدك عن الواقع، تلك الروح التأويلية تحاول أن تبث الروح أحيانا في بعض الأجساد القصصية لتمنحها صفة تجنيسية لا تليق بها و لا تستحقها، و قد تكون تلك النصوص رائعة و مبدعة و لكنها لا تصنف كققج، و نجد تلك الروح التأويلية تحضر أكثر ما يكون لدى النصوص التي تمتاز باللغة الشاعرية العالية، و التي تضع المتلقي أمام تساؤل هل أنا أمام ققج أم خاطرة أم نتف شعرية نثرية؟! و عندما يتفق الغالبية على إخراج تلك النصوص من صنف الققج، تهرع تلك الأرواح التأويلية محاولةً أن تمنح الحياة لأجساد ميتة قصصيًّا لكنها تتفجر منها الحياة حين تصنيفها تحت أجناس أدبية أخرى.
فما هي جدوى تلك المحاولات التأويلية الروحانية؟ و ما مدى الخدمة التي تقدمها لفن الققج؟ و ما هي الذرائع التي يتقدم بها أصحابها لتبرير رؤاهم و تدخلاتهم التي بالعموم تثير التشوش لدى المتلقي و لدى الأدباء الجدد و ذلك بسبب خروج التأويل الروحاني عن المألوف، و محاولته التفرد من خلال النظر للفنون الأدبية بأنها فنون حركية ديناميكية لا تتوقف عند مجموعة من القواعد و الأسس، و من خلال تذرعها أنَّ الإبداع لا يتحقق إلا من خلال كسر الحواجز و ولوج عوالم جديدة، و لكن المعقَّد في الأمر أنَّنا لو أخضعنا أنفسنا لهذه القواعد و تلك النظريات لرأينا أننا يمكن أن نجعل من أي كلام عادي ملحمة و ذلك حين ينطلق بنا الخيال إلى عوالم رائعة و منفتحة على الكثير من القضايا و الأمور الفلسفية، و الحالات التناصية و الرمزية، و التي ينطلق صاحبها إليها من خلال استخدامه ربما لكلمة أو تعبير أو إشارة فقيرة في النص لا يكون للكاتب أية غاية منها، لكنها حاضرة في ذهن الناقد وقت تلقي النص، و ربما تفاجأ ذلك الكاتب بتلك العوالم التي ذهب إليها الناقد و التي ليس له بها أدنى معرفة بل و ربما لا يكترث لمعرفتها، فيصاب ذلك الشخص بالعُجب بنفسه كيف استطاع أن يصنع ذلك الإبداع و ربما يستفحل لديه الأمر و يتمكن منه الغرور فيما هو لازال يحث بعض الخطا على طريق الكتابة فيكون ذلك الناقد أضرَّ بالكاتب أيَّما ضرر من حيث يدري أو لا يدري.
إذا يمكننا القول: إنَّ التأويلات لها سقف لا يمكن تجاوزه و لها حدود لا يمكن لها أن تقطعها، و إلا تحولت إلى مجرد تهويمات أو خيالات أو أشباحًا لجسدٍ ميت، و التأويلات التي ليست لديها قرائن نصية و دلالات تفسيرية مشتقة من قلب النص و ليس من خيال الناقد، هي تأويلات مفتوحة لا تغني و لا تسمن مهما حاولت بسط أروع النظريات الفنية الأدبية و مهما استعانت بالمدارس الغربية و نظرياتها المختلفة، و مهما اعتمدت على خبرة صاحبها…و أستطيع أن أشبهها هنا بالبالونة المنتفخة بشدة و التي تثير الانتباه إليها لكنها سرعان ما تنفجر و تؤدي إلى لاشيء، لأنها ابتعدت بالنص و انحرفت به عن المسار القاعدي ، نحو صحارى بعيدة لا ماء فيها و لا هواء و لا ظلال و لكن مجرد سراب بقيعة.
ثمَّ إننا ليس من الضروري أن نحمل هذا الفن أي الققج الكثير من النظريات، و لماذا لا ننطلق بتلك النظريات لوضعها أسسًا لفن جديد؟ فنحن ما كدنا حتى الآن نرسى على بر معين بالنسبة لقواعد و أسس هذا الفن في الأدب العربي و من التسرع أن نبدأ بإقحام أشياء كثيرة فيه تبتعد عن الخط القاعدي له.
إذا أردنا أن نكون مؤسسين لإبداع يسجل باسمنا فلا ضير في ذلك، بل هو شيء مستحبٌّ و جميل، لكن علينا ألا نحمل نظرياتنا إلى ساحات ليست ساحاتها، متذرعين أنَّ الإبداع يكون بكسر القواعد.
إنَّ الانفصام و الانفصال بين الروح التأويلية التخيلية و بين البنية الجسدية للققج سيكون له الأثر بالغ السوء في ذهن المتلقي و في عقل و وجدان الكاتب خاصة حديث العهد بالققج، و بالتالي قد تؤدي إلى تشوهات و تشويشات تخلق صراعات فكرية لاطائل منها…كما تضع في الوقت نفسه مشاكل عديدة في تجنيس الققج.
و كم جميلٌ أن يتلبس الجسد الجميل بروحٍ جميلة تحمل صفاته و همومه و هواجسه، و لا تحمِّله أفكار و هواجس الآخرين فيموت قبل أن يولد.