القاص المغربي حسن برطال يبدع في كتابة قصص بحجم الكف.
يعتبر القاص المغربي حسن برطال من أهم الكتاب الذين برزوا في العالم العربي وتفوقوا في كتابة القصة القصيرة جدا ، وهذا نتيجة إبداعه المتواصل ووفرة النصوص القصصية القصيرة جدا لديه، فللكاتب الكثير من المجموعات القصصية القصيرة جدا نذكر منها:
مجموعته “أبراج” الصادرة عن منشورات وزارة الثقافة بالمغرب، وهي مجموعته الأولى نشرها سنة 2006 والتي أبحرنا من خلالها إلى أعماق محيط القص القصير جدا المدهش، حيث سادت النصوص على كم هائل من المفارقات،”من الضحك والبكاء، السخرية والتأمل، الفواجع والأسرار، الجنون والحكمة…إلخ”. ومجموعته ” قوس قزح “الصادرة عن مطبعة أنفو بفاس للطباعة والنشر سنة 2009، والتي سمحت للقارئ العربي أن يتعرف على تقنيات القصة القصيرة جدا ، كما بينت الحضور اللافت للكاتب حسن برطال كرمز من رموز السرد المغربي الحديث…ومجموعته “سيمفونية الببغاء “الصادرة سنة 2012 والتي يظهر فيها تمرد القاص على الشكل الألفليلي القصصي، ويتناول المواضيع بطرق خارقة للحكي الذي اعتدنا عليه ، لأنه ببساطة يتحاشى الحكي الذي يقوم على قصة تعتمد شخصيات وحبكة وزمان ومكان، لأنه ينحو منحى التكثيف والاضمار وتوظيف الصورة الومضة والتاريخ والرمزية…أما مجموعته “مغرب الشمس” الصادرة عن دار الوطن للصحافة والطباعة والنشر سنة 2014 فهي تكرس مسار احتفائه بالقصة القصيرة جدا ،كجنس ابداعي مدهش اختاره ليعبر به عن هواجسه وتساؤلاته الخاصة عن الإنسان والمجتمع والطبيعة حيث يقول : ” الشمس تفطر …تتغذى وتتعشى في كل دول العالم ،لكن المبيت يكون في المغرب “…وتتواصل إنتاجاته الأدبية في جنس القصة القصيرة جدا، حيث نشر مجموعته “عائد إلى (فيفا)” سنة 2016 التي عارض فيها رواية غسان كنفاني ” عائد إلى حيفا “وشتان بين العودتين “حلم العائد الفلسطيني إلى حيفا مدينته التاريخية المحتلة ، والعائد إلى الفيفا الإتحاد الدولي لكرة القدم “…ومجموعاته الكثيرة “لاشرقية ولا غربية ، الماء والبنون ، صورة من الأرشيف، ياليتني كنت غرابا” وصورة على نسق jpj، و”فارسة الأحلام” و”أحد عشر كوكبا” التي صدرت سنة 2019 والتي تتناص مع الآية القرآنية من سورة يوسف “إذ قال لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين “…ولاندري إن كان القاص يشير إلى عدد مجموعاته القصصية لأنها المجموعة الحادية عشر .
وقد نال العديد من الجوائز الأدبية من بينها جائزة المربد ، وجائزة ناجي نعمان للإبداع ، وهو من الشخصيات الأدبية الجادة والمتواضعة، وقد من الله علي بالتعرف عليه ليس فقط من خلال مجموعاته القصصية القصيرة جدا ، ولا من خلال صفحات التواصل الاجتماعي، وإنما في الواقع حيث اجتمعنا في الملتقى المغاربي للقصة القصيرة جدا الأول ، الذي نظمته مديرية الثقافة لولاية أم البواقي بالجزائر ،بالتعاون مع جمعية جسور الثقافة والإبداع ، برئاسة القاصة الجزائرية “رقية هجريس” يومي 11، 12من شهر أفريل سنة 2018…وأعترف أنني قد تفاجأت من أخلاقه الحسنة، وشدة تواضعه وهدوئه واتزانه وابتسامته التي لا تغادر وجهه ، ولا أخفيكم أنني كنت من المحظوظات اللواتي تشرفن بمجالسته والحديث معه عن هواجس وتساؤلات القصة القصيرة جدا .
يقول عنه الناقد المغربي جميل حمداوي إنه “يحمل رؤية انسانية قوامها الثورة على الكائن والسائد واستشراف المستقبل الفاضل الذي تحقق فيه إنسانية الإنسان ، ويسمو فيه للخير وينحط فيه للشر ويعلو فيه النبل والشهامة “، فالقاص حسن برطال ابن بيئته يتحلى بوعي اجتماعي ظاهر ، حتى أنه في بعض قصصه ينحاز للمرأة الشرقية حيث يدعو -بطريقة الحذف والبلاغة والصمت والبياض بدلا من الاعتراف والبوح- المجتمع لتغيير نظرته إليها، وهو لا يبني بينه وبين القارئ غير المعنى المفتوح على التأويل ويلزم قارئ نصوصه أن يكون قارئا نخبويا ذكيا ليفهم ما يكتبه ، فنصوصه للوهلة الأولى تبدو سهلة ولكنها تحتاج إلى إعادة القراءة والتأمل ، لاسيما أن النقاد المغاربة وصفوها بأنها قنابل موقوتة فهي نصوص انفجارية تنفجر منها الدلالات والتأويلات، فالقصة القصيرة جدا تولد كل يوم على يديه وذلك من خلال وعيه بشروطها لتوافق وتيرة الحياة السريعة التي نعيشها ، حتى أن بعض قصصه ترجمها الأستاذ التركي Cuma tanik للغة التركية في كتابه “مختارات من القصص القصيرة جدا ،من الأدب العربي الحديث “الصادر عن دار معرب بإسطنبول سنة2018 ، ومن بين القصص المترجمة قصة” زوليخا” التي يقول فيها :”لما جف البئر… هاجرت القبيلة ،إلا امرأة واحدة ظلت تدلو بدلوها، وتبحث عن يوسف”. يعتمد القاص حسن برطال في قصصه على الجمل القصيرة المكثفة ، لكنها تصور لنا العالم الواسع بكل متناقضاته ودلالاته واتجاهاته ، ويبدو في معظم نصوصه راوئيا يعرف كل شيء عن شخوصه، وحاضرا معهم وشاهدا على أحداثهم.
إن هذا النص الذي بين أيدينا، ما هو في حقيقة الأمر سوى واحد من النصوص القصيرة جدا التي كتبها وأبدع فيها، والتي لا تمل من دعاء القارئ الذكي للتمعن فيها واستخراج الدلالات المتفجرة منها.
فمن الناحية السردية يستعمل القاص في الغالب ضمير الغائب ، لتكون رؤيته من الأعلى هي المهينمة في الحكي ويبدو ذلك جليا من خلال هيمنته واطلاعه الشامل على الأحداث، وفي هذه القصة يتحدث عن “القبيلة والمرأة “و” يوسف وزليخا “بقالب اخباري حيث تتوفر على الجمل الفعلية التالية: “جف البئر، هاجرت القبيلة ، ظلت تدلو بدلوها ، تبحث عن يوسف”، فالقصة هنا تروي أحداثا واقعية ، وهي تأخذ حيزا محدودا يتمثل في سطر واحد بسيرورة تعاقبية، وتأخذ بعدا تراثيا ، إلا أنها تماثل القصيدة الحرة في مستوى الدلالة، وهذا لتوفرها على عناصر الإدهاش والغموض والتكثيف والإيجاز، وقدرتها على شحن كم هائل من الدلالات على الرغم من قصرها الشديد.
تبدو العناوين عند الكاتب حسن برطال عناوين مفارقة تستوجب استحضار الناقد للعملية التأويلية، كما يستعمل أحيانا عناوين جزئية غير كاشفة لمحتوى النصوص، إلا أنها تبدو في علاقة انسجام معها.
و زليخا/ عنوان رمزي موحي، يحفر عميقا في ثراثنا العربي ويتناص دينيا مع القرآن الكريم فنستحضر قصة يوسف مع زوجة عزيز مصر، فزوجها عزيز مصر في عهد الملك أمنحوتب الثالث ، اشتهرت بجمالها وحبها ليوسف، فهذه الشخصية معروفة… ولكن وما وجه العلاقة بين زليخا والنص؟ إلى ماذا ترمز وتوحي وتدل ؟
يقول القاص “جف البئر” هل هذه البئر جفت لأن أهلها ظالمون لقوله تعالى في سورة الحج: (فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ).أم هي البئر التي ألقي يوسف فيها؟
إن نص القاص محمول بالمستنسخات التناصية، يحيلنا إلى حكايات غائبة معرفية، تجعلنا نحفر عميقا
في ذاكرتنا المنسية، “البئر جف و الأهل غادروا، ورغم تعطلها مازالت وحدها تدلو بدلوها تبحث عن يوسف من هي؟
هل هي زليخا التي قال لها زوجها عندما اشترى يوسف من سوق العبيد: أكرمي مثواه فأكرمت مثواه بمراودته عن نفسه، وهي بذلك تظن أنه سيطيعها في معصية الله سبحانه وتعالى، إلا أن يوسف أبى أن يرتكب الخطيئة فعاقبته بزجه في السجن ؟أم هي زليخا التي تحب يوسف وتظهر براءته وعفته وتقاه، ليصبح عزيز مصر.
إن القاص قد برع في كتابة هذا النص لأنه خلق عند المتلقي الزحام الدلالي الشديد، بعدد قليل من الكلمات، حيث ابتدأ النص بمفردة تكتنز حمولات رمزية، وتحيل على دلالات مضمرة، إلا أنها قامت مقام المفتاح في النص لأنها وجهت القارئ للعملية التأويلية ومحاولته الوصول إلى غاياته المرجوة.
تتضمن القصة خبرا سرديا يتضمن فكرة معينة، تتمثل في أن القبيلة التي كانت ترتوي من البئر قد هاجرت لأن البئر جفت، و مقاصد القصة متنوعة وقد نستطيع إسقاطها على الواقع أي واقع فيمكن أن تكون هذه القبيلة هي الدول الاستعمارية، وهذه البئر ما هي إلا خيرات البلاد المستعمرة، وزليخا ماهي سوى تلك الشعوب المقهورة العاجزة التي تبحث عن حريتها وعزتها ، كما نالها يوسف وأصبح عزيز مصر، ومنه فالقصة تتضمن رؤية خاصة للعالم، وقد تكون مجرد ذريعة سردية لبث وجهة نظر أو عرض قضية اجتماعية أو سياسية ما كما أشرت سابقا .
لذلك نعتقد أن قوة كل نص قصصي تكمن في قدرته على دفع القارئ لخلق وإعادة تلك المشاهد الغائبة والمحذوفة من طرف الكاتب ، وقد يفصح النص في الأخير عن مكنوناته الداخلية ويعبر عن وجهة نظره تجاه الواقع الذي أنتجه داخله.
إن هذا النص الذي بين أيدينا ما هو في حقيقة الأمر سوى واحد من النصوص القصيرة جدا الكثيرة التي كتبها وبسخاء القاص حسن برطال، ورغم أن قصة يوسف وزليخا قد ذكرت كثيرا في أدبنا العربي إلا أن ذكرها واستحضارها في هذا النصيص قد جمع بين المتعة والإفادة والإقناع ، حيث استطاع الكاتب أن يبرزها في حلة جديدة سردية موحية…وإذا كان الكاتب الأمريكي العبقري “أرنست همنغواي -” الذي كتب قصته القصيرة جدا ” للبيع حذاء طفل …لم يلبس قط” سنة 1925- يفتخر بهذا النص الإبداعي ويعتبره أعظم ما كتبه في حياته الإبداعية، فلابد للمغرب العربي أن يفتخر بالقاص حسن برطال الذي أبدع في كتابة قصص بحجم الكف.
- القاص المغربي حسن برطال
- التعليقات