تُشرق شمس يوم جديد، تجدّد أملها في طارق يطرق بابها المشطوب، باب يقيم خلفه أنين يتمادى في الغَـوَر… والماضي يلبس ثوب الحاضر يَــحزّ رقاب الأمنيات العنيدة…ما مرّ عليها يوم إلاّ وَأتى من يفسد عليها فيه استطابتها للعيش على أمل قدوم من يختارها لذاتها… توزّع ابتساماتها على العطاشى، كما توَزَّع المؤونة على المنكوبين، وخاطرها يجتاحه الجفاف.
يدوسها نهار آخر شاحب متقطّع الانكسارات… ينساب المساء كئيبا ككلّ المساءات الخريفيّة… نكرة خلف بوّابة المستشفى بدون مئزرها الأبيض، أحيانا لا تخلعه؛ تستعذب الشّعور تحته، فبياضُه يلملم بعض تشظّيها… ها هي تُقفل بقلب طافح بالوجع والخواء إلى بيتها الموحش المظلم وَللصّمت عليه سطوة برزمة من الآهات، وكلمات كالسّهام ما زال سُـمّها يتغلغل في فؤادها، أصابتها وهي تمرّ في الرّواق أو تعاين مرضاها ناهيك عن اختلاس النّظر إليها إشفاقا…كيف تكون عانسا وهي بهذا القدر من الجمال؟… ـ أ هذه هي؟… أ هذه هي ابنة فلان؟… أ هذه هي أخت فلان وفلانة؟… المسكيـــــــــــــــــنة!… ألم تتزوّج بعد؟!…
ميتة على قيد الحياة، تسير على هامش الأفراح، والأنين قافية قصيدة عمرها المحترق… حكايتها تلوكها أحاديث السّاهرين، والمتهامسين، والمتسكّعين، والمقاهي، والعابرين من الـمختلفين، والـمتّفقين ممّن لا يعرفون الغفوة، وَلا الغفلة.
ديدنها مذ تعدّت الثّلاثين؛ بعد يوم آخر عصيب تُلقي بـجسدها على الأريكة في الشّرفة المطلّة على حديقتها السّاحرة، لا رغبة لها بشيء ولا هي مجبرة على فعل شيء مُجمّدة الأنوثة إلى أجل غير مسمّى… تبتلع غصّاتها، تتعاطى الصّبر جُرعات على مقربة من طاولة لاثنين يضمّها كرسيان تلملم أصداء صرخاتها المكتومة، وتحدّث بعينَيها كرسيَيها عن ألم لا يمكن البوح به… اعتادت منها طقوس التعَـَـــرِّي… تشير إلى فنجان فارغ عليها؛ هيّأتُ لك المتّكأ! وهذه قهوتك مُـحلاّة أعددتها بزهر البرتقال كما أشتهي أن تشتهيها منذ تورّد الوجنتين!… أنا لم أشرب قهوتي! قهوتي مرّة بلا سكّر… بَـــــَرد فنجانك ولم تأت!… تُسامر عَـرَصات عذاباتها؛ تعصف بها ريح حقيقة لا تُطمس، ولا تُوارى… مطبوعة ناصيتي بالقبح، أنا لم أختر أهلي! رغم شِبه انعدام الاختيار اخترت طريقي… تَـمُدّ بصرها إلى شَسَع القُبّة العارية ممّا يزينها إلاّ مِن غيهب زادها برداً لاذعا؛ امضِ أيّها اللّيل بحلكك! لا تبح بوجعي للذي يليك! عزمت الظّفر منه بقبس يغسل انكساري… لست إلاّ زهرة لا تعنيها منافسة الزّهور الأخرى؛ أريد التّفتّح فقط…
تحاول الاسترخاء، تحشد أحلامها، تداعب خيوطا تدلّت منها… إنّها السّاعة القاتلة تماما، منتصف الشّهقة بين مخالب الوحشة… ما أكثر ما تسرقها غفوة عذبة متوسّدة ذراعها؛ غفوة أفضل بكثير من النّوم على سرير بارد هامد، بشراشف سُندسيّة زهريّة الألوان يزيد من قسوة وحدتها، تعبرها عليه ليال بملامح صخريّة… ثمّ تتكوم في حضن الأريكة حتّى الصّبح.
ما انفكّت صورة والدها يُسحب من البيت بالقوّة مكبّل اليدين، يُقتاد إلى سيّارة الشّرطة وسط الحيّ ضحى تحت أعين أهل الحيّ تقضّ مضجعها، وتزلزل كيانها. من حين الحادثة ازدادت خلّتهم وتعاظمت فاقتهم ووالدها يدفع ثمن جرمه الشّنيع في حقّ قاصر سجنا وخِزيا لَــــهُ ولمن تحته. لأجل ذلك تحوّل أخوها من مستهلك وفيّ ذي أقدمية للقنب الهندي إلى تاجر مبتدئ في الحيّ الـمجاور… سريعاً ولأنّه لم يتقن اللّعبة أُقصِيَ من ساحة الحلبة إلى ميدان تنفيذ العقوبة. ما هي إلاّ بضع سنين وتـَـخـرّج منه يَـمضي نحو الاحترافيّة العالية، وليس أفضل من أخيه ذراعا أيمن له، فضمّه إليه. أختها الكبرى فرّت مع خليلها بعد فضيحة والدها ورفْضِ أخيها لخاطبها أحد زبائنه المخلصين ولأشياء أخرى ليست تعلمها. وحدها هي أدركت مدى بشاعة وجوههم بين الوجوه، ونتن رائحتهم. أنقذها أن انتشلتها جدّتها حين بلغت ربيعها الحادي عشر لتعيش في كنفها وتكون لها سندا ومُعينا على ضُعف بصرها ووَهن أوصالها.
اجتهدت في دراستها رغم التّهميش وانفضاض الصّحب عنها… حدّدت هدفها منقطعةً عمّا سواه، رسمت الطّريق إليه، كلّما تعثّرت حثّها على المضيّ قدما، فلا شيء يقف نصب عينيها غير بلوغ ما يملأ أعين النّاس من رتب ورُكوب الـمجد ما أمكنها دون المساس بما زرعته فيها جدّتها من الخلق العالي. تطبّعت بطباع النّخبة خلسة وَعلنا… تلبس لبسهم، وتمشي مشيتهم، وتتحدّث بحديثهم حَذَر الإشارة إليها بسبّابة القبح ترجو الرّضا.
أقصى مبلغها؛ رتبة دكتوراه في جراحة العيون نالتها بجدارة واستحقاق وما في قسمها طبيب سَـمِيّ لها في مهارتها وصرامتها، وإتقان خمس لغات، وعضوة في جمعية خيرية ذائعة الصّيت.،ويظلّ “مطرب الحيِّ لا يُطرب “. حين فارقت جدّتها الحياة استبدلت بيتها في الحيّ الفوضويّ؛ حيّ النّازحين من أقاصي القرى هربــــــاً من الموت ذبـحــــــاً بآخَر بأفخر الديكورات المتناغمة، وأثمن التّحف والأفرشة بألوان متناسقة في حيّ راقٍ ينبئ بالثّراء ويشي بعراقة الجاه، لم ترض بغير سيّارة رباعيّة الدّفع سوداء بزجاج عاتم… وفَـتَـرت علاقتها بأهلها إلاّ لَـمما.
وَهي تلقي كلمتها في حفل خيريّ أعجب بها طبيب عامّ متطوع في ذات الجمعية؛ وَبتواضعها الكبير، وَذكائها، وَفطنتها، وَأحاسيسها الرّقيقة، وَانساب إلى نفسها عذبا زلالا هي الأخرى حديثُــه في مداخلة عن الفقراء وَالمهمّشين، وَنَـبذِه للفكر الضيّق، وَالرّؤية المحدودة… صفّقت له بحرارة منبهرةً بموقفه حين أشار إلى ترشّحه للبرلمان لينقل معاناة شريحة المهمّشين إلى الواجهة، وَالسّعي بكلّ ما أوتي من قوّة وَإيمان من أجل هذه القضيّة، ثمّ اغتنم حضور ذلك الجمع الغفير من الناس وَدَعاهم إلى تزكيته بعد بضعة أسابيع.
عادت إلى بيتها، نظرت في مرآتها، تأمّلت وجهها زمنا، مدّت عنقها في كلّ الاتّجاهات، في تثاقل راحتْ أناملها تمسح على جبينها، عبثا تحاول مسح أثر السّـنون عليه، تأمّلت جفنها؛ تحسّست بطرف سبّابتها أثر التّعب والإجهاد عليه، سحبت خصلة من مَـفرِق رأسها؛ سبع شعرات بيض تشوب فحمتها ونعومتها… كذَبَـتْ العرّافة! باعتني أوهاما… ما أعجل أيّام العمر! سريعا ها أنا أمرّ بنهاية العقد الرّابع وحيدة…
حتّى سائق الإسعاف ذاك؛ الرّجل الأوّل والأخير الذي تجاوز مسافة الأمان وَأشعرها أنّها مرغوب في أنوثتها وهي لا تلق إليه بالا على إلحاحه؛ تزيحه من طريقها كلّما تعرّض لها بالرّجاء، ويَتوسّلها أن تَـــقبل به وَهي تشفق عليه لعلمها بإدمانه على “عقار التْـرامادول”؛ ما عاد يلقي عليها التّحيّة…
سحبت تنهيدة من بين طيّات الوجع البعيد… أ تراه قريب أم بعيد موعدي مع الفرح؟! أ لم يـَحن لي الأوان بعد أن أرتاح وَأضع السّيف جانبا وَقد بلغتُ ما بلغت، وَأختار عطري، وَأنعم بلبس الورديّ، وَأتحرّر من هذا الأسود…
ما هي إلاّ سويعات وَغَدت كأنّـــها لم تر رجلا قط في حياتها قبل هذا الذي اقتحم حرم مشاعرها على حين غرّة. مضت أيام وَالرّجل يسكن عقلها صوتا وَصورة يحجب أفكارها… كثيرون هم الذين تمنّت قربهم، وهي تخشى الرّفض، فاحتفظت بهم في قلبها وهم لا يعلمون، مضوا يدوسون مشاعرها إلى أخريات وهم بها لايشعرون… تتململ على فراشها، رنّ هاتفها يشقّ صمت شرودها. تناولته وَلم تكد تفعل تجاهلا؛ الرّقم مجهول. ردّت: ألُـــو… بصوتها البلبليّ الناعم… رقصت كلّ خليّة من جسدها؛ انتعشت أوردتها، أشرقت هالتها… ما كانت نبرة الصّوت وَلُــثغة في نطقه لتغيب عنها! كان هو هو! ذكّرها بنفسه وَبالمصادفة السّعيدة التي جمعته بها. حادثها كأنّما يتلو ما يشبه قصيدة للبوح والتّعرّي لفارس ظلّ يبحث عن سيّدة أحلامه طويلا، ثمّ وجدها بعد يأس. صوتٌ ألهب مشاعرها، أسَرَ سمعها، هشّ له قلبها على نغم كل كلمة منه… يا اللّه! إنّ فِكرنا في بعضنا موصول… انفلتت منها الكلمات مُعاندة، وطفا منها على السّطح ما كان مغمورا محظورا سنينا… بضع دقائق على الهاتف جعلتها تحلّق عاليا… لأوّل مرّة شعرت ببيتها رائعا، وَدافئ الفرش.
ما هي إلاّ أيّاما أخرى تمرّ وطرق بابها المشمّع بالأحمر حاملا باقة ورد وكعكةً فأل دوام الأفراح والأحلام الحلوة…
– مؤكَّد أنّها دعوة العجوز بائعة أزهار النّرجس كلّ الصّباح قد استُجيبت ،فهي لا تكفّ مطلقا عن الدعاء لى بأن يرزقنى الله ابن الحلال الذي يعرف قيمتي…
استودعت القربَ منه أمانيها؛ لا تنفك تردد في خاطرها: سأهبه ما بقي من عمري، سأتفرّغ له وحده، سأطلِّق هذه الوظيفة، سأستقبله مساء عاشقةً مغرمةً به بكلّ ما أوتيت من نعومة، سنحلم معّا، نخطّط معّا، أرجو أن يمهلني اليأس فننجب طفلين أو ثلاث!، سنحرص على طهر مرتعهم، ونقاوة مشربهم… أطلقت العنان لأنوثتها ورقّتها تستدرك ما بقي في العمر من فسحة لتروي عطشا طال.
انتبهت تاؤها بعد سبات شتويّ عميق، فأخذت عطلة أسبوعين لأوّل مرّة مذ استلمت منصبها كرئيسة أطبّاء. هي أشبه باعتذار لنفسها… جالت بين محلاّت الحليّ، والألبسة النّسائيّة، يحملها فرح أبيض يقهر ليالي الشتّاء البهم … اكتشفت أماكن لم تكن تعرفها رغم مرورها بها مرارا، ورأت للمرّة الأولى العالم بألوان زاهية، ووجه المدينه فيه فاتن…
في بحر الأسبوع الأوّل جرجرته رغبتُه أن يكون منها أقرب إلى المستشفى الذي هي به عاملة وطلب التحويل إليه. ما مرّ من الوقت إلاّ قليلا واستُقبلَ ووالدتَــه بحفاوة بالغة من طرف الدتِها وأصغر اخوتها اللّذان دعتهما إلى بيتها من أجل المناسبة وَالبَيْنُ يكاد ينقطّع بينهما. تبادلت العائلتان عبارات التّفاؤل فرحا ودعوات الخير على مدار الجلسة. وعلى غير العادة الضّاربة في القدم مانَعَت السّؤال عن خاطبها وأهله وسيرته بين جيرانه متبنيّة في ذلك مبدأ “لا تزر وازرة وزر أخرى”، وشعاره يدوّي في أذنها ” لا تستعيروا ألقاب الغير؛ لن تكون لكم أبدا، فنحن من يصنع ألقابنا “، وتأثّرها بحديثه، وآرائه، وأفكاره التي طالما حدّثها عنها حدّ الاستغراق وهو يبدى مقتا وكُرها لحاملي الشّهادات العليا ولغتهم السّاقطة، وعقولهم الضّيقة، ونفوسهم المظلمة، وقولهم يخالف فعلهم…” ألا سحقا لهم وتبّا أينما وُجدوا…”
أسرفَ في الغياب، فألهب الوجد جوانبها؛ كلّمته تبغي رَيّــــــــــــــاً… ما إن رفع السّماعة ردّ التّحيّة، واعتذر:” إنّه جرس الإنذار بقدوم حالة مستعجلة”… فاشتعل الفؤاد منها شوقا وازداد في الولع عُتيّا. في اللّيلة التي تلت عاودت الاتّصال دونما طائل. فيما بين انطباق جفن وانفتاحه تملّكها ذعر شديد وريبة؛ ما لبثت أن تلاشت.. استدركت تلتمس له العذر تلو العذر بعادته الغالبة أثناء عمله؛ “يغلق هاتفه أثناء العمل” وَصورته الملائكيّة تحاصرها، وَتأسر جوارحها وَتُــقيّد فكرها.
استبطأت نهاية عطلتها حدّ كادت تندم على أخذها راحة حين علمت أنّه تحوّل إلى ذات المستشفى… سَـهِدت، عَدّت ساعات اللّيل قائمة ترقب بزوغ الشّمس، تمارس طقوس الانتظار والاحتراق، تستعجل الصّبح لتلقاه. وتهادى الصّبح يزحف على مهل… أبكرتْ بالخروج، بلغت المستشفى، هرعت تَـــهْتشُّ إلى قسم الاستعجالات حيث هو راعشةَ الجوارح، في صدرها يحتشد كلام عذب كثير لا قِبَل لها على كتمه، ولَوم من عسل. سألت عنه… فبعكس فعلها فعَل هو؛ نبش عنها وحَواليها بالـمِشْرط والـمِنْكاش، ووَلّى منها هاربا وَلم يُــعقّب… ولم يعد يُرى له أثر في المستشفى، تحوّل إلى غيره منذ ثلاثة أيّام… تزلزلت الأرض من تحتها، شهقت، شعرت بالدّوار، انْــثَـــنَــتْ ركبتاها، سقطت أرضا مذهولة، فغرت فاها وَانقطع منها النَـّفَس، أمسكت برأسها بين يديها، حملتها ذاكرتها إلى النّقطة الصّفر، صرخت بما حوى صدرها من قوّة الحلم… دوّتْ صرختها تصمّ الآذان، وَتقاذفت صداها الجدران، قالت بهستيريا: لا أريد أن أموت عانـــــســــاً… نصــفــــاً… وحـــــــيدة!.
انسلّت الحياة من النّصف منها، ونَجا النّصف الآخر مبتور الحياة.

أضف تعليقاً