كان دائما يلمحه مادّا يده اليمنى لكل من يخرج من العمارة أو يدخلها ، يترصد الجميع ليمدوه شيئا من الدنانير الزهيدة ، لم يكن يُسمع صوته ولا حتى يسمح لمن يمده شيئا بأن يرى وجهه عكس المتسولين الآخرين الذين اعتاد على رؤيتهم في جميع جهـــات المدينة .
“صارت كل المدينة تتسول” قال في سره وهو يقرب خطاه منه، بالتأكيد هو يبالغ في خواطره هاته ، لكنه أيضا أينما ولى وجهه في هذه المدينة يجد الكثير من أمثال هذا المتسول ، خاصة أولئك الذين يرابطون في مواقف الحافلات ومداخل الأسواق وهم يستعملون كل أساليب الاستجداء ليذوبوا عنك جليد التصلب , لا يسعك أمام الكم الهائل من أدعيتهم وتوسلاتهم إلا أن تذعن ممرّرا يدك على جيبك كيما تخرج ما شاء الله لهم …،أما هذا المتسول الذي اعتاد أن يصادفه يوميا أمام باب العمارة دون أن يلتفت له, فهو صامت لا يكاد ينطق أي كلمة كأنما به بكمٌ ، يمد بصره إليك من وراء لثامه ثم يدفع بيده في اتجاه وجهك , وحينما لا تعطيه شيئا أو حتى تكترث به , تراه من خلف لثامه يصدر تمتماته المبهمة مِمَّ جعل صاحبنا يحاول البحث عن كنه هذا المتسول الغريب , اقترب منه ، حيّـاه , وأضاف يسأله عن صمته , وعن سبب وضعه للثام الذي لا يغادر تفاصيل وجهه , ملتصقا به لا يكاد يُعرف بدونه , كما الرجل الأزرق ،لكن المتسول حرك رأسه دون أن ينبس بكلمة وراح كمن يريد القفز على سور واضعا خطوته إلى الخلف , محركا كتفيه محاولا التنصل بعدما أحسه يباغته شادا على طرف لثامه محاولا إماطته كله , فإذا باللثام يسقط من وجه المتسول , فتظهر من خلفه امرأة عجوز , لم تكن غريبة عنه ، عرف أنها أمه بعدما لاذت بالفرار تاركة اللثام بين يديه ، و كثيرا من الأسئلة التي زادت في الدوران برأسه …

أضف تعليقاً