تكاد خطواته لاتنتهي، طريقه صعب وشاق كأنما يصعد جبلا.. يزداد الجبل علوا، فيزداد هو إصرارا؛ فجأة،.. يجد نفسه في منحدر وعر، يبطئ السير.. يسمع صوت امرأة تدله على الطريق، يتجه نحو مصدر الصوت، يجد صبيانا يرمقونه بشماتة،.. تتعالى ضحكاتهم، يهم بالتقاط حجر، يتفرقون مذعورين…يلوذون بأكواخهم..ويطلون من الشرفات والنوافذ ..
يقتل الفضول آباء فيخرجون متوسدين أبواب المنازل..أم تأخذ صغيرها وتدخل مرعوبة عند جارتها؛ أما هو، فينظر إلى نفسه، ولايدري من أين أتاه هذه الثوب الخلق، يسأل رجلا حاملا حقيبة، ربما يجد لديه جوابا يشفيه، لكن الرجل يمضي ولا يلتفت إليه..
يعبر الشارع الكبير ..لأول مرة يرى شارعا بهذه الشساعة ..كيف وصلت به قدماه إلى هذا المكان، وإلى هذه المدينة المترامية؟!..لايدري..
ينزوي في ركن، يتأمل في اللاشيء.. يتقدم نحوه رجلا سلطة فيقول أحدهما بصوت أجش: من أنت؟ ومن أين أتيت؟. لا يجيب، لأنه لا يعرف جوابا..ارحل من هذا المكان فورا، يضيف الرجل ويمضي.. يرحل ؟! أين ؟! كل اﻷبواب موصدة، والدروب متعرجة بلانهاية ولا بداية، وهو كغيره من المشردين يسكن في اللامكان .
يحس بالجوع، فينظر إلى صاحب الحقيبة مهزوما ..يعطيه كسرة خبز، يراها بين يديه نعمة من النعم ..يأكل والسعادة تعلو وجها تفننت السنون في إعادة تشكيل ملامحه.
يحس بالدفء ويبتسم، ينظر إليه الغرباء ويبتسم..جسده شبه عار ولايهتم، ولأنه تناول خبزا، فهو لا يهتم. أقبل المساء، فشعر بالبرد يتسلل إلى جسده النحيل، وأظلم الليل، فاختار مكانا للنوم ثم نام.. بدأ يحلم بالأطباق وأصناف الأطعمة والأشربة وبالفراش الدافئ الوثير ..تلمظ -وهو في منامه – شفتين جافتين وانكمش على نفس مكلومة ..ثم استغرق في نوم عميق.. مر به المصلون..مر العاملون..مر تلاميذ المدارس والموظفون ..ألفوه نائما واﻻبتسامة تعلو شفتيه ..عاد الرجلان الجلفان؛ وضع أحدهما حذاءه الملمع على جسد بارد كالصخر..هز الجسد برجله وقال: قلت لك، ارحل من هذا المكان..
- المشرد
- التعليقات