يمكنك أن تمتطي ظهر الجبل؛ لترتقي حتى تصب إلى سنامه، هناك، لا تهتم بصعوبة المرتقى، لا تهتم بالأشواك، ارفع رأسك للأعلى؛ ستدرك قيمة ارتقائك. إذ من هناك؛ ستطل على قصر رابض بالسفح يرتبط بالمدينة بوشيجة الحب، قصر عامر ، تشتد أنواره ليلا حتى يكاد يصير منارة التائهين. اشتغلت فيه طفلة وديعة خادمة تقوم بكل شيء رغم هزالها، ثم ينتفخ بطنها فجأة، فتحمل إلى مستشفى المدينة للوضع، تعاد إلى القصر و الطفل إلى دار الأيتام. و يكبر و يكبر و يشتد عوده، ثم يخرج لطلب الرزق و قد تعلم حرفة قيل له إنها ستساعده على العيش الكريم. أما الآن، فعليه أن ينصرف ليخلي مكانه لأيتام جدد.
جمع أغراضه، و بالمصادفة عثر على مخطوط مطوي بعناية، لم تمسسه يد عابث، و لم تطله أنفاس فضولي، سار على دربه، حيث ارتقى ظهر الجبل، و إذ وصل إلى ذروته، و كان القمر مشعا، و الهواء خفيفا منعشا، في صيف خانق، يكاد يضغط على الأنفاس يخنقها. نظر مليا إلى القصر؛ شيء ما بدأ يتحرك بداخله، ربما تلك الكلمات القليلة التي دونت على الرقاع، قد تكون قد انغمرت في ذاته و انوشمت بقوة فبدأ يسير على هديها. انطلق كسهم لا راد له، أو كقذيفة خرجت من فوهة مدفع قد ارتسمت طريقهاسلفا، أو لنقل هو القدر المتحكم في المصائر. لم يجد القصر مرحبا، كان وجهه جهما، غير أن العبوس لم يثنه عن القيام بالمهمة التي أوكلتها الحياة له، أو هي يد القدر تكتب الأدوار و الأفعال.
سال الدم، و علا الصراخ، و كثر اللطم، ثم هدأ كل شيء، ساد السكون، و عم الظلام، و لم تقو البومة على النعيق.
و خرجت الطفلة الأم كاللؤلؤة تجلوها نسائم الحياة.
- المنحدر
- التعليقات