أدخل إلى غرفة الجلوس وألقي التحية, أصوب نظري نحو عامل الخدمة ولا أحوله إلى أحد سواه, ولا أمد كفا مصافحة لغير كفه, وأجلس بجانبه أبادله الحديث.
يدق الجرس فأدخل الصف الأول, أشرح الدرس ولا أسأل أحدا سوى تلميذ خامل يقبع في المقعد الأخير, أسأله وآمر التلاميذ بتصفيق حار على إجابته التي لم تثلج الصدر يوما.
يتداخل التلميذ الذي يجلس في المقعد الأول, فأرد عليه بصفعة تطير لها عويناته, ويحمّر خده المتورد أصلا, أرد بهذه الطريقة لأنني لستُ معلمته الوديعة, تلك التي ترد على كل كلمة يتفوهها بقبلة, وتهجم كنخزير لو سمعت ( نَفَسَا) على المقعد الأخير.
أنهي يومي الدراسي وأمر بالسوق, أكلم البائعين بلغة الإشارة, فينظرون إلىّ مثل البهائم صامتين, لو كنت أستخدم مفردات انجليزية لفهموها, آآآآه لو كان عندي سلطة, كنت سأدخل لغة الإشارة إلى المناهج الدراسية, كنت سأفرضها وأفرض على كل طالب أن يتعلم كتابة بريل, بريل! ما أعظم هذا الرجل! رغم أن عموم الناس لا تعرف جنسيته ولا أين ولد وبأي عصر عاش, لكنه عظيم رغم أنف هذا العالًم الوغد الذي يحتفل بالزواج الثامن لتلك الممثلة, ويحمل على ظهره اسم لهذا اللاعب أو صورته, ولا يعرف عن سيرة بريل شيئا, لكنني سأتسلم مرتبي بعد يومين وسأعلق صورة عظيمة للرجل فوق أعلى بناية في المدينة, وسأدفع ثمنا شهريا بدل الإيجار, تلك العمارة الشاهقة, جنب هذه الصورة الكبيرة, ماذا؟! من هذا؟! فلان الفلاني, المرشح الوحيد للطائفة الفلانية؟! هذه أول مرة أسمع باسم هذه الطائفة! هذا يعني أنني سأنتخبه حتما.
أكاد أسقط إذ اتعثر برجل هو الآخر لم يكن منتبها إلى طريقه, هو واحد من عشرات تلاحق أنظارهم امرأة يجدونها جميلة, لكنها تمر بجانبي فأبصق مشمئزا وأجعلها تلاحظ تقززي, بينما تمر أخرى لها أنف كبير, فأغمزها ولا ألقى أي ردة فعل, تظن أن الأمر غير متعمد, لكنني أصر على التحرش وأرميها بكلمات مغازلة فتعجب من تصرفي وتخفي شعورا بالرضى عن أنوثتها, وجدته ربما لأول مرة في حياتها, لا أكتفي, أعبر الشارع ولا أقصد محلا فاخرا يبيع أبهى الورود, بل هناك بجانبه أو ( على الحاشية ) بسطة صغيرة ابتاع منها باقة زهر وأعود مسرعا إلى بديتني صاحبة الأنف العظيم, أقدمهما بكل وقاحة وأتلقى لكمة من ضخم يرافقها وأشتبك معه فتقتادني الشرطة إلى التوقيف.
في المحكمة, يعتذر عامل النظافة عن مواصلة الحديث معي, رغم أني قرأت في عينيه امتنانا عظيما, يعتذر لكنني أواصل مكالمته حتى يصرخ القاضي يطالب بالاحترام, فأرد بصرخة تخرسه: ألا تعرف الأدب أيها الحمار, ألا تراني أتحدث مع الرجل؟! فينهال جالوزته علي ضربا, ويسيل دمي, يسيل لأنني سقطت من سريري, وعلمت بعدها أنني كنت نائما في (مركز تأهيل البكم ).
- المهمّشون
- التعليقات