في الحقيقة عندما ينظر الناقد إلى عمل رصين وجيد تنتابه قشعريرة الاكتشاف المتواصل لذوأبة الجمال والتمكين في عين النص، لأنه ليس مدركا ولا في المتناول أن نتحكم على الجمال مرة واحدة وخاصة لما يكون القلم وجرته قد مرا على الناقد في سالف الأيام ، لا يمكن أن يحتار أي كان في هذا الأمر وأنا أداعب قصة قلبان في قفص للكاتبة المغربية نجاة قيشو، أدركت للتو انه مر على خيالي النقدي ذات يوم على ضفاف جريدة أصوات الشمال …

كيف يمكن أن نقيم عملا كهذا في البداية تألف فقهاء النقد وخاصة “الينيويون” على معاملة المعنى معاملة الكائن المتوتر أو الذي لا يريد أن يستقر ، وأحرى شيء يمكن مراودته له هو إتباع مقتبسات على حد ما ذهب إليه امبريتو.

في البداية كانت الرواية ، واسلوب المجاهدة:

تبدأ الكاتبة قصها بلغة الروائي الكبير زفزافي محمد، عندما لا يمل من “تكرير التعليل والتبرير ” لإتيان وضوح الصورة ، لان النص يظل معيبا إذا لم تؤتى جوانبه تفسيرات معللة مكانيا وزمنيا فعند قولها (أسدل الليل خيامه على الكون ،و ظهر القمر عابسا من وراء السحب الكثيفة)، تنذر الحالة هنا بالغياب و”الدكننة “القاتمة إنما هي “توازي الأشكال”، كأن ما وصفته من” دكننة” لابد له من تبرير منطقي كقولها في التبرير ( ينذر بليلة مشحونة) ويزيد من قوته بإيفاد التشبيه لكل حالة وهذا جديد بالنسبة للرواة حديثا ،عندما يفسرون “المعنى “على طريقتهم ومخافة من أن يذهب القارئ الى جهة اخرى ، يعني يخرج عن الموضوع يستعملون التشبيه كقولها ( شأنها شأن كل ليالي العهد الاستعماري،) والحالة هنا بالعموم تأكيد لاستمرار حالة استعمار.
.وتأتي “الأيقونة” الموالية لتنقلنا من “مرحلة الصحو” إلى” الظلمة” وأعطت “إشارة تناقليه” بين المحطتين بشكل عادي ينذر بان الكاتبة دخلت “المرحلة المسائية” وهاهي تقول لزيادة “الترقي” في سكون الليل (وما إن قارب الليل على الانتصاف حتى دوت صفارة الإنذار وهاج الخلق وماجوا ،وضجت السماء بأزيز الطائرات،ودبت على الأرض أسراب العساكر وبدأ إطلاق النار)
إن هاته الحالة هي “اختلاط عاصف “لما قد تكون عليه، مثل هاته “الحالة “في أقصى متتالياتها لتبين من جهة ثانية، وضوح المعنى لاستمرار موجة المعركة، وهو ما عبرت عنه عدديا ببداية الهجوم للمرة الثانية، وهو( وصف تلق) وكان الكاتبة ترسم لقطة ثانية بدون تعب تتمثل في هجوم على ثكنة بطريقة فيلمية تشبه أفلام الهجمات الايطالية الخاطفة أثناء الحرب العالمية الثانية. هجوم يعكس تقاذف الأطياف النارية واجتثاث الرؤوس من الحوامل ويسيل الدم مهراقا يحدث حالة فرار أرجعتني الكاتبة بهذا المنظر إلى وصف ” جريدة لوموند” لليلة الهجوم على عاصمة الأمير عبد القادر الزمالة في عين طاقين في 16 ماي 1843.
المحير في” القص” هنا إحداث “استثناء توالدي “في ميدان القص ككل وهذا الاستثناء تمثل في وجود ” إنسان ” متميز هو من تبقى حيا ،ربما قد حاولت الكاتبة توجيه “النظرة السردية” أو الكاريزماتية إليه، وبأنه هو من سيواصل… زخم المعركة، متمثلا في البطولة الخاطفة التي تنتاب الكاتبة في وهج المعركة تستخدم الساردة عنصر الإثارة من خلال القبض على عمر ابن الثلاثين الذين جروه إلى زنزانة الرقيب توماس..وتردف مرة ثالثة بمشهد جديد بنظرة فيلمية

يتلقى بطلها سلسلة من التنكيلات بجسده أفقدته الوعي وخارت عزائم معذبيه ليعيدوا محاكمته مرة أخرى، واصفة في ذاته الوطنية الجاثمة في كل وطني لا يريد أن يبيع بذرة من وطنه ، وقد وفقت الكاتبة في نقل مهاتير الصمود لدى الوطني ، وهي في الحق مشاهد ألفناها في الأفلام الوطنية مثل الأفلام الجزائرية ، وسنوات الجمر ..وريح الجنوب ..ودورية نحو الشرق وأفلام أخرى كان فيها الممثل القدير والمرحوم سيد علي كويرات بمثابة عمر عند نجاة قيشو.

بين العذاب وارتياب العشق الطافح:

وصفت الساردة في هاته “المرحلة الفيلمية” حالة عمر وهو في وضع متأزم من الجروح والتنكيلات التي طالت مواضع كثيرة من جسده، لتوجد له في زخم معركة السياط والكلاليب مخرجا نحو الهروب إلى” براءة الذات” وهي تبحث عن من يداوي ألمها بطريقة فاضلة وكاني بها أوجدت له( مسحة من لذة عابرة) لتربط فيها عنوان القصة (قلبان في قفص ) لم يستطيع” توماس “ورفقائه اشتثاثها ، هي ” مغرمة الحب” بفتح الميم وتسكين متبوعها في مغرمة والميل الى الطرف الثاني، كانت ” المغرمة “امرأة ممرضة جاءته على استحياء تصلح ما أفسده السوط والصعق ، لتسعقه بمفردات صامتة آنسته الآمه، وهي هنا قد بالغت في الوصف محاولة استدراج اكبر كم من” مصطلحات الإثارة “إلا أنها سرعان ما ادركت ان” الوضعية وضعية محارب في شخطه المعذب”، ولا يكون المكان مهيئا “لقصة حب “وان فعلت فهي خارجة عن موضوع الواقعية ، لان بداية الاستعطاف لدى ممرضة بداية ربما تدخل في عملها ولكن عندما تكرر مشهدها وهي تشرف على مداوة هذا الرجل بعد التعذيب فيه لغط أسطوري حكائي مشتبه فيه لان مجالات تدخل التمريض قد يتعدد كان مثيرا لو وضعت شخصيات أخرى للتمريض ومن وسطها تستل طغمة الانجذاب بين عمر وايميلي.وقد وضفت هاته الطغمة لما سمعت ذات يوم “الرقيب توماس ” يدندن باعدام عمر بعدما ابلغه الواشي بوجود مجموعة من المجاهدين في سفح الجبل..
.

بين القبلة والحيرة حكاية وضعية ماكانت لتكون:

حاولت الساردة إقحام” الرومانسية” في صورة غير مجدية ، لا من حيث المكان ولا الزمان وتركت العشيق الذبيح والماردة البيضاء إيميلي تغطان في عبق سكرة الحب وكأنهما ” طليقين” لاحارس يسمع ولا جأش الخوف المتقاطر بين اللحظة والأخرى يحدث انزياحاته ، ولا حتى ارتقاب الدخول المفاجئ لرجال توماس أو زبانيته .
إن الكاتبة هنا ، تعاملت مع الوضعية من زاويتين ” زاوية العشق البريئ” ،” وزاوية العشق المارق “، وما بينهما امر لا يثير أي شيء من الجذب رغم كمية مصطلح الترميس ، فلا هي عبرت عن لغة الحب في هذا المكان ولا حتى القبلة كان لها تأثير لأن مرحلة “الاتحاد” او العناق (بين عشيقة مولعة تنتظر انكماش النجوم لتأتي جريحها ولا انتظار عمر سوى لها دون العذاب )،تحدث ثورة إرتيابية بينهما إني أرى هنا الأمر جد مربك، ربما لكثرة السريان العاطف والإثاري بين” معذب ومعذبة” جعلني احتار هل فعلا الوضعية التى وضعتها الكاتبة ( كائنة في جمالية النص أم أنها صرعته).

بين متاهات الظلمة والصحو حكاية كانت لتبدأ من هنا :

لما وصلت الى نهاية “الحكي” ، أدركت أن الكاتبة حاولت تسهيل الممرات للاعتراف بقوة الحب الجاثم بين البراءة والغلظة، لكن عنصر الوطنية هام في ذاتها وانتصر في الأخير مخلوطا بالحب العذري وهو نهاية مرتقبة ليس فيها نوع من الحبكة بل كانت سهلة حقنة مخدرة وممرات مظلمة يخرج منها جريح بكل سهولة كان على الأقل أن تضع مخططا معقدا للخروج من الزنزانة دون وصف للحظة الافتراق لا قبلة و لا اتحاد ولا أمل في الرجوع وكأني بالطبيبة تريد إهدار لحظة إحساس ذائبة أو أنها أرادت أن تعيش الهستيريا في قمة الحب ، وفي الأخير وضعها كامرأة افسد عليها تصويب أمر تبرير اعتراف ذلك الحارس لما يستيقظ من جهة ، كنا نطمع أن نرى مرحلة أخيرة بين توماس وإيميلي تنتهي بتنكيل إيميلي على طريقة عمر لتكون الموازنة بين القلبين كما أنها كانت موفقة في وصف حالة عمر لما علم بخبر الوشاية بأصدقائها في سفح الجبل وما أنج له هو ورود الكثير من القضايا التي كانت تحتاج إلى تبرير ، منها كشفها لوطن إيميلي إلا مؤخرا، وكان لا يكفي فقط إن تصرح بأنها تؤمن بقضيته التي من المفروض أنها قضيتهاـ

أضف تعليقاً