ها أنا أتبختـر كالسندباد البحري فوق حصاني الأزرق،يتحـدث معي ويحكي لي،وأنا أتخيل نفسي ذكرا مثله يصهـل ويسرق الـنساء.
وضعت عمتي برنوس الأفراح على كتفـي،في رجلي بلغة بيضاء كأنها قطعة ثلـج مختارة ،على رأسي شرف الملوك كلهم.
النســـاء خلـف حفلتي،يمسكن بين أنامل الحليـــب شمعتي،وهن يحدقن في سروالي المنقـــوش،كأنهــن يشجعن فاكهتي على اكتساح الروابي والمروج..
وكنت غبيا ،لا أفهم ما خلف الستار.؟
وضعتني العمة في قعر ” القصعة.”
كمادة جامدة ../
كلقـمة كسكس باردة ../
مازال صوت”الغيطة”والطبل يرتفع مدويا،مازال الإمام يدفن أنيني فـي قاع الآنية الفخارية،هن بغــنج يتغامـزن ،جمهورالأطفال خلف الباب الموصد يتنظرون صرخة البطولة.
البخور يتعالى.
يرتفع بهدوء نحو الهباء.
خيـوطه العطرية تتيه من حولي،وتحجبني خلف حائط من بخار وبخار..
الشيـوخ خلف ظهري،أراهـم يدخنون،ينسحبـون بعيدا من رائحة قصتي،هم بلا شك..يسترجعون طيف أحصنتهم التي انصرفت،ويتألمون…
سا ذجا كنت هذه الليلة.
أطلق جدي حمامة بيضاء أمام بصري، ولم أفهم..
قال لي:
– انظر إلى الحمامـة إنها تضحك لك.
وكنت غبيا كذلك..
خنقني الإمام بكتفه الهائلة جدا،شل كامل حركتي بصدره الثقيل،ثم فتك بقسوة بنعناعي.
وأخيـــرا..
ضحك الإمام معي بمكر،
ولم يغرد السعد في قصوري الخرافية.
أمــي تبكي وسط الجوقة المشتعلـة بخليط الزغاريد والغناء الطــري.أنا أصرخ كالقطارات البخارية..ألم فضيع يكاد يطفىء قناديلي،رحيق التوت ينساب من تحت سروالي.
نساء كن يصفـفن شعـروالدتي الأسبل،يداعبن سواده الحاتمي بحناء وزعفران،يحجبن خصلاته الفاحمة بثوب أخضرفاتح، منمنم بخيوط شمسية.
لكنهن يتركن خصلـة شاردة لي:
أقـرأها.
أفسرها بلغتي المدرسية.
وأتنفس من جديد..
*******
مازلن يرقصــن.أمداح في كل فـم.أذكار تنبعــث من كل قفطان وجلباب.رائحة “الجـــاوي”المكي تبارك ولادة ذكورتي .
دموع تختبىء خلف صوتي.طعنة غادرة تغرس وشمها عميقا..عميقا
لما غفوت،
أطل علي حصاني من نافذة غرفتي.
بارك لي..
قال:
– يا صديقــي.
بعد أيام قادمة،سيـزهر العطر،
لـــن ترفضك الغزالات أبدا، لــن يهربن من ريشك وفراشك،
الغزالات كوردة تماما يعشقن لسعة الخـيل..
ستشتبــك بغزوة النساء ذات يوم.
آه..لو هربــت اليوم بعيدا من ظل الإمام،لسخــرالطبيب منك،واستهــزأ بك القدر..
وكنت تافها كذلك..
أصــدق الخرافات والكلمات.

بعد دقائـق مرت ثقيلة كسلسلة جبلــية.طرقـت ” إيـطـو” بابي.وضعت في فــمي مـــرقا منكهـا ب”رأس الحانوت”،ملأت خبزتي برؤوس البصل والزبيب الكروي.
تناسيــت ضجيـج القطار البخــاري الكثيف جـدا ،تقـــدمت إلى معركتي،ألتهـم أفخـاذ الدجاجــة البدوية الملونة بالثمروالتوابل والزبيب.
أكلــت الألوان بشكل فوضوي.صبت المــرأة الضخمة حليبا فـي طربوشي الأحمر.شربـت لتــرين من السعادة.
لما انتهيت من شغبي البريء..عاد بكاء الحمام الى أطرافي.

الـناس كنمل.
سكارى الحومة. اللصوص.البؤساء.الذئاب.
القرود.النحل.الصعاليك الصفوة.الملحدون..اليهود.النصارى.
كلهم حضروا حفلتي..
يجلســـون القرفصاء،يصارعــون الكسكس التقليدي،يشربــون كؤوسا من نعناع آخر،يسهرون في لغـــو مائع،ينطقون لغة سفيهـة في آخرالليل.

دنا الإمام من سروالي التقليدي المذبوح.
همس لي
-احمـد الله.
ستصبــح إماما مثلي،تكتب تمائم المحـــبة للنساء،تعالج سعــال صدرهن فـي فصل الشـتاء،تخــط لهـن طلاسـم السعادة في الصيف،وسوف تصير نمرا،يزدرد الحلوى …

أبي فـي الركن البعيد هناك،يلهو بالسبحة الطويلة،يتكىء على فأس متينة مسننة.
ظل صامتا ككاهن إيطالي..
ثم انفجر غاضبا :
– اسمع أيها ” الإمـام ” الهرم..
أريــــد أن يكون نعناع طفلي مشـرقا.إذا لم تغن الحمامــة لابني في ليلة العرس ولم تضحك له الحبيبــة قبل صلاة الفجــر.فإني سوف أهشم عظامك القديمة بفأسي..
أتسمع؟
مازال أبي يلعب بالسبحة..
وأنا أعاتب صامتا هذا الإمام الذي غدربي…
– حقـــا على يديك تعلمت أول حروفي الكوفية.
حقـــا أنت علمتني كيف أحفـظ ألواحي القرآنية في كل مساء وصباح.
أنــــت أنرت لي الطريق فتجلت لي آيات الحق وأمجاد السماء…أنت سلمت لي المفـتاح.
لكن..من أي القارات قــدمت لتعذبني ؟

في المسـاء… ملأ الراقصون تاجي الروماني بلؤلؤ ومحارومرجان.فاضت الخيرات في مدني ودولتي،غرقت في نعيم الأمراء والألوان ،ها أنا وسـط الحاضرين أتباهى ببريق البطولة.
اليوم..
أنا سلطان قريتي:
أخالني بين دقات الطبــول وأنغام المزامير حاكما ساميا يصـدر الأوامر العليا،
وقـومي يسجدون تحت عرشي.
أقبلت”إيـطـو”..
مزقـت طربوشي الأحمر..
اخـتلست ثروتي وبطولتي..كنت نائما.سألتها:
– أين باب مملكتي يا بنت الثعلب ؟
ردت:
– أنــت جميل كحرف النــون،فـلماذا تزفـر؟ أتريد أن يفترسك الغول الذي يسكن في مغـارات “تازة”؟
قلت:
– أريد تاجــي. وخزينـتي..؟
أيــن اللؤلــؤ.؟ أيــن ريق الحريم ؟
أيــن المرجــان.؟ أيــن عــود زرياب ؟ أيــن الشعــراء؟
قالت :
-عندما سينمـو شاربــك، سأشتري لـك قميصا بلا أزرار..كي تطــيـرعالـيا.عالـيا.
هـل زرت الأهــرامات ؟
هل زرت مغارة هرقـــل؟
هل زرت بلد الغـول؟
غضبت:
-لا أنت تكذبين..عندما ستموتين، سيقــذف بك الحاكـم العام من أعلى القلعة.
أنت لصة ماكـرة.
أنت سطوت على تاجي ،
انتشلت ذلك الصحن الفخاري من إقـليم “عـبدة “
اختلسـت بيض النعامة من”واد الذهب “.. وباقة الخزامى من تاجر “موغادور”.

بعد سنوات، أزهر النعناع الصغير،فاحت رائحته وتجاوزت الجسور والجبال،أطربني الهديل،وضحكت لي مروج الغزلان…
– سيــدي الإمام..أتسمعني؟
– شكـرا لك..
– أنت،شجعـتني على تذوق أصابعهن.شكرا، أنت حبيبي..والحصان صديقي …

أضف تعليقاً