دلفت الى بيتنا الصغير في المخيم وماهي الا لحظة حتي وقفت بباب إحدى الغرفتين الضيقتين ، لأجد أمي تجلس واضعة وعاء العجين الفخاري بين رجليها
وتضرب العجين بكلتا يديها .. نظرت الي بدهشة وابتسمت ثم قهقهتت، نظرت الى جسدي قبل طرح التحية .. فوجدت ملابسي مبللة وشعري يقطر ماءُ
وبين ذراعي قطة صغيرة ترتعش من شدة البرد ..نفضت امي يديها من العجين وصلبت عودها بمشقة والضحكة لا تفارق شدقيها ، فركت يديها من العجين وتناولت القطة وجففتها بخرقة ووضعتها بجانب وعاء العجين وأحضرت لي ملابس جافة وما توفر من الطعام للقطة الجائعة.
جلست بجوار أمي بعد أن عادت إلى عملها والابتسام مايزال يرتسم على وجهها وقد تسللت تجاعيد الزمن إليه ..سألت ما سر هذه الضحكة .. تجهم وجهها واختفت عنه الابتسامة ، وزفرت تأوهات حارة خرجت من أعماق فؤادها فبثت الدفء في الغرفة الباردة وقالت : محمود يحمل قطة !! وزفرت آهات اكثر حرارة شعرت بها تلسع وجهي وقالت : عدت بي إلى ذكريات سحيقة ولكنها لم تغادرني قط بدأت تخرج الكلمات المغموسة بالألم من بين شفتيها ، وتناثرت حبات عرق على جبينها رغم البرد القارس واستمرت في حديثها وأنا أصغي بشوق ونهم .. منذ مايقرب من خمسة عشر عاماً هي سنوات عمرك ، كنت تتربع بين أحشائي وآلم الحمل لم تفارقني وتبسمت قليلا وربتت على خدي وقالت كنت شقيا .. ثم عادت إلى حديثها .. في يوم مثل هذا اليوم الممطر والشديد البرودة .. شاهدت قطة صغيرة شبيهة بقطتك هذه مشيرة إلى القطة ، ترتجف من البرد أشفقت عليها وانحنيت بصعوبة لالتقاطها وضمها إلى حملي الثقيل من لمسواق ، فوالدك كان دائما يتنقل بين القرى المجاورة يسوق بضاعته من الفجر حتي سواد الليل ..وبعد شهور قليلة خرجت إلى الدنيا ، فكانت القطة أكثرنا فرحا بقدومك ولازمتك في المهد تنام بجانب فراشك او تحت سريرك الصغير ، كبرت القطة وكبرت معها وبدأت تنتقل من الحبو الى المشي والقطة تلازمك ولا تفارقك أبداً لاتنام حتى تطمئن إلى سباتك وتصحو مع صحوك وتلعب وتركض معك وتفرح لفرحك وتحزن لبكائك ، استمر هذا الحال ونحن نعيش في سعادة ، حتى جاءتنا الطامة الكبرى التي حلت بنا .. وتحت نيران القنابل والرصاص وبطش الصهاينة حملنا ما استطعنا من المتاع وهربنا أنا ووالدك هربنا بك واخوتك من
البطش والقتل وللحفاظ على شرفنا وعرضنا من الهتك.. وضعنا متاعنا على جمل استأجره والدك وعمك ذو العاهة ( بقدم واحدة والأخرى خشبية) يركب الحمار وسرنا جميعا مشيا على الأقدام مع ابناء وبنات عمك.
آه.. آه شهقت زفرات خرجت من اعماق قلبها وهي تتحدث بحرقة وألم بالغين .. وقالت: مسكينة قطتك ركضت خلفنا لمسافة ومواءها يصدح في عنان السماء
لم ينظر لها احد فكان جل همنا الهروب بأرواحنا واعراضنا ولما يئست عادت ادراجها.
وما ان استقر بنا المقام في الخيام حتى علا صراخك تريد قطتك ، مما اضطر والدك للعودة بحماره الى مدينتنا المجدل والخطر الداهم يحيط به في كل خطوة .. ومر اسبوع ونحن نعيش القلق والخوف على حياته ، حتى عاد ومعه بعض لوازمنا الضرورية لاستمرار حياتنا .. سألته عن القطة فذرف الدموع بغزارة وبكى بعنف قبل ان يقول : وجدت القطة تجلس فاردة ذراعيها الأمامين مكان فراش محمود ميتة .. في البداية ظننتها حية حتى حركتها ، جسدها كما هو لم يتعفن ، فحفرت في باحة البيت ودفنتها.
وأضافت أمي : وحتى تكف عن البكاء احضر لك والدك قطة ، ولكنها مع اول مداعبة خربشت وجهك بعنف وتركت هذة المداعبة الشرسة تلك الندبة في خدك وأشارت بأصبعها إلى وجنتي ومنذ ذلك اليوم وانت تمقت القطط وتخاف منها حتى دخلت علي ومعك قطة.
جلست مع نفسي قليلا اتسأل كيف أشفقت على هذة القطة من البرد القارص ونسيت كرهها .. اهو الحنين إلى طفولتي أم لذكريات عزيزة ما زالت تعيش بين جوانحي ولم تتركني .. ام هو الأمل بالعودة إلى بيتنا الكبير .. أم .. أم .. تسألات ماتزال تعشعش في قلبي وفكري.
- انا والقطة
- التعليقات