يحدث أن تجد نفسها مفرغة من كل شيء كبالون تحرّكه الريح في كل الاتجاهات، تعلقُ بغصن شجرة متمرّد في وضع ينذر بالانفجار، و في حالة متقدّمة من الفراغ، تتمكّن من الإفلات من الغصن و الاستسلام لقدرة الريح على تحريكها في هذا الفضاء. تسترجعها اللحظة الأولى، تمارس على باقي اللحظات غرورَها في كونها جعلتها تقف أمام المرآة لساعات، تعيد لأكثر من مرة اختيار أحمر الشفاه، و لون فستانها، و شكل حذائها، و حقيبة يدها. و بعد أن ظنّت المرآة بأنّها ارتاحت منها إذ وصلت إلى الباب لتمسك بمقبضه، إذا بها ترجع أدراجها إلى الغرفة، تناولت زجاجة عطرها، أخذت منها رشات أسكرتها و حملتها فراشة. وصلت قبل الموعد بدقائق.
هو كان هنالك في كامل أناقته يسند ظهره إلى جدع شجرة ، يحاول القبض على الريح بكفّ أمسكت علبة دسّ فيها خاتما كان سيهديه لها. وريقات الشجر كعذارى تسللن من مخدع الحكاية تساقطت على كتفيه في حنان دافق و كأنّه تناهى إلى أسماعها ما همس به للريح، إذا بحت بأسرارك للريح فلا تلم الريح إن باحت بها للأشجار1.
و شجرة التوت تلك لم تكن كتومة، و الوريقات فضحت ثرثرتها في احتفالية انعتاقها من أغصانها . تسابقت تملأ طريقها إليه، تحاشت قدماها أجسادها الرقيقة، امتلأت فرحا. الفرح زاحم الفراغ فيها فوجدت نفسها تنفجر ضحكا من الموقف. انتبه على صوت ضحكاتها و هي التي ظنّت بأنّها سبقته إلى الموعد بدقائق فإذا به هو كان الأسبق. بادرها بالتحية فقالت له: كم عجيب هذا العالم الافتراضي ، يحيل الواقع في لحظة إلى غبار.
أخذت الريح عبارتها، أخذت حتى ما أراد أن يقوله هو من كلام، أكثر من ذلك لم تمهلهما أن يعيشا لحظة تأمل الخاتم الهدية ، فشريعة الرياح أن تجري بما لا تشتهي السفن، و سفينة حلمها كانت سريعة العطب أمام لحظة تأجيل الحلم. أسرّ لها بأنّ موعدهما سيكون بعد شهر، يكون ساعتها البدر قد اكتمل، و تكون شجرة التوت قد أمدّتهما بفاكهتها. بعد شهر كان الفراغ يملأ المكان يكسر ظهر الشجرة و يسندها هي إلى غصن الوهم لتتدلى كفكرة سخيفة نشرها كسول يريد التسلية و قتل الوقت في العالم الافتراضي.
هو كما لو أنّ موجة الفضاء الأزرق ابتلعته و أخذته إلى مرفأ آخر، غاب اللون الأخضر عن ضفته، أصبح خارج مجال الدردشة، و صارت هي خارج مجال الحلم.
صار للريح صوتا في ذلك الفضاء الأزرق، راحت تعوي كذئب، ترعبها و تقضّ مضجعها.تنكمش أمام الحاسوب ، تلتصق عيناها بالشاشة أكثر ، تركّز نظرها على نافذة الدردشة ، كلّ الأنوار الخضراء المشتعلة تشي برياح تسابق موعد نضج التوت، و تبقي حسرة في حلق الأسئلة المرسومة على الجدران النازفة .
جدران بدأت تتصدّع بفعل التراكم ، ريح الفضاء الأزرق تعبرها فترتطم بالأبواب المواربة في منتصف المعاني المبتورة عن سياق كلام أضاعته اللغة المبحوحة ، ومن أعالي الشرفات تتدلى الأعين حيرى في بورتريهات لا تراها الريح.
تقاوم فراغها بحشو الكلام الزائد في حنجرة عصفور أسلمه قفصه للريح ، و أسلمته الريح لها.
لكن حدث ما لم يكن في الحسبان يوم اكتمل البدر في شهر آخر، هو سابع الشهور، عاد اللون الأخضر ينير ضفته في الفضاء الأزرق ، عاد للدردشة يعتذر عن جريمة ارتكبتها في حقّه الظروف فغيّبته عن العالمين الواقعي و الافتراضي، غيّبته عنها. استمعت إليه و لهفتها للحلم تغطّي على اللون الأخضر فتحيل الفضاء الأزرق إلى غيمة وردية تعد بغيث و بمواسم خصب.سامحته و أطلقت العنان للريح تمحو كلّ غضب و حزن لغيابه المفاجئ الصادم.أعذاره كانت مقنعة أو هكذا أرادتها الريح العابرة لمسمعها، نقلت لها صوته سامفونية سقطت من ألبوم بيتهوفن و بقيت مؤجلة لفرح تعدها به الحياة .و كلماته عبر نافذة الدردشة كانت نجوما نثرها الليل الصاخب بغبطة العودة.
الموعد هذه المرّة أراده في مساء اليوم الموالي في تمام الرابعة، و أرادته هي مبهجا كما يليق بلحظة لقاء بعد طول انتظار. حقيبتها هي الأخرى عادت لتغريها كما كانت ، تنفتح أمامها بأحمر الشفاه و بالعطر و بكل ما يجعل منها نجمة اللقاء. الريح كانت أقوى، تخيّلت نفسها هذه المرّة ريشة عصفور حالم، لم تكن مستعدّة للامتلاء بالهواء كبالون، قد تأخذها الريح إلى أبعد ممّا تتصوّر، و قد يغرقها الحلم في أغوار حكايا الجبّ الأعمق.
وصلت قبل الموعد بدقائق، تطلّعت إلى شجرة التوت ، كانت ثمارها ناضجة و شهية ، لكن لا ظهر كان يستند على جدعها، و لا علبة تضمّ خاتما يغري بالفرح في ذاك الفضاء الفسيح. مرّت ساعة ، تلتها أخرى و لم يأت.القلق يزيد من مساحة الفراغ فيها، حاولت الاتصال به ، هاتفه كان خارج مجال التغطية، مرّت ساعة ثالثة ،ازدحمت الساعات في حلقها، أثقلتها، لكنّ الريح كانت أقوى لم تفقد قدرتها على حملها، و دفعها في اتجاه آخر لتلقي بها في غرفتها. ترتطم بالجدار، تسند ظهرها إليه فتتحرّك عقارب الساعة ، تربكها،تمدّ يدها مرتجفة ، تنزع عن تلك الساعة الحائطية البطارية، تصمت عقاربها، هي محاولة يائسة منها لإيقاف الزمن. تمتلئ بالهواء مجدّدا ، هذه المرة البالون يعلق بأحد عقارب الساعة، فيحدث الانفجار، تتساقط أوراق التوت من حاسوبها، يتطاير الغبار ، و إلى الأسماع تتناهى أغنية محمد عبدو “شبيه الريح”..
1: مقولة لجبران خليل جبران