استحوذ الخوف على كيانه. تسلل الى نبضان القلب. سرى في تدفق الدم الى الشرايين.. خشي ان تمتد الرعشة الى لسانه، فيتلعثم، ويتعثر بين الكلمات والآيات والسور، ويسقط فمه الذي اعتاد ان ينفتح كل صباح ليتدفق منه القرآن وفق ايقاع محفوظ كشريط مكرر، سواء امام باب مسجد او في شارع عام.! حاول ان يتماسك. اعتبره وسواسا ، وتعوذ اكثر من مرة.. لم يرحل شيطان الخوف، نزلتْ عليه التعاويذ بردا وسلاما. بل اصبح يرى لسانه الشامت في عين الطفل الجالس الى جنب كرسيه المتحرك يتابع الاقدام كانه يتساءل عن ايها ستمتد اليه بركلة طائشة.! حاول ان يشحذ كل ما تبقى من حواسه لتشد بيد لسانه وتحرس تدفق ذاكرته، بعد ان اعتاد على فتح فمه ككهف صغير لتتدافع الكلمات من ذاكرته كنمل يعرف طريق الذهاب والاياب. لكن عبثا، فالخوف كان مطرا تتجمع قطراته المتلاحقة في سيل جارف.. كم حاول ان يطمإن الطفل ،ليطمإن نفسه، كم كرر على مسامعه بنبرة تدعي الوثوق، في ليلة ثقيلة تحت سقيفة مسجد على اطراف المدينة :
– لن يصلوا الينا.. قريبا على الاقل.! سنتدبر حالنا غدا..
– صحيح.؟ سيضربوني اذا امسكوا بنا. اخاف منهم.. اكرههم..!
قالها الطفل بكلمات تقطر كالدمع.
– صحيح، صحيح…
– لن يتركونا..
– صحيح، لكنا لن نتركهم، ليمسكوا بنا.!
– لا اريد العودة اليهم.. لا اريد البقاء هنا، الى ان يمسكونا ويشبعونا ضربا..
– لن نبقى هنا..
– لو ظل الحال كما كان لما هربنا، ولكنا في تلك الدار الكبيرة المقشرة مع باقي المتسولين.!
– صحيح، لكن الرئيس قرر، بعد ان كبرت المدينة، اعادة توزيع جيش المتسولين على خارطة جديدة، ولم يراع لا اسبقية ولا كفاءة ولا نزاهة، ولاننا نكرة، مرت المحسوبية والزبونية والتعسف على حقنا رغم ما قدمناه من طاعة ووفاء، فحرمنا من ذاك الشارع وذاك المسجد الكبير وسط المدينة، وفوته لمن دفع اكثر، ودفعنا الى زقاق حول مسجد صغير تتوقف قربه العربات وراء دوابها اكثر من السيارات..
– الرئيس ينام طول النهار، ولايستيقظ إلا عند المساء، ياخذ ما جمعه المتسولون، ولايترك لهم سوى القليل. يركب سيارته ولايعود إلا عند بزوغ خيوط الصباح الاولى، تفوح من فمه تلك الرائحة التي تشعرني بالغثيان..!
قالها الطفل مقاطعا باستغراب خائف..
– نعم، واذا لم يرقك الامر، فلن تستطيع ان تتسول في اي مكان من المدينة، له عيونه المزروعة في كل مكان، وقبضاته المتحفزة للخنق.!
– اخافه.. اكرهه.
– لاتخف.. لن يمسكونا.. سنهرب.!
لكن الخوف لاتحرك شعرة من راسه المستنفر الاوامر.. الخوف ليس صنبورا يمكن قفله ليتوقف الدفق.. الخوف لاتستدعيه ليدق الباب، ولاتودعه ليغلقها وراءه.. انه يهجم كريح تتسلل الى جسم تملأه ثقوب من مسام.! لهذا ظل الخوف صرصورا يتعالى صريره في نفسه مع دبيب الشمس على صفحة سماء متعبة.. اراد ان يلتفت ليتأكد من جود عيون تلاحقه حقا. لكنه اعتاد ان يهمد في الكرسي جسدا مشلولا، لايحرك سوى شفتين بترتيل لاينقطع تقريبا طول النهار، بانتظار ان يدفع به الطفل الكرسي عند المساء..فكر ان ينهض عن الكرسي، ويترك المكان، لكنه لم يستطع. شك في ان يكون مازال قادرا على المشي، بعد ان ادعى الشلل طويلا، فاستعارة العاهة عاهة بنفسها.!
غذى الشك الخوف في نفسه، وما عاد قادرا على الاستكانة في كرسيه، مستسلما الى قدره كطفل الى مهد يضمه، يتابع الاقدام تمتد الى نعالها والايادي ايها سيمتد الى الجيب ليجود بالدرهم، ويلاحق بعيون غزاها الشيب والزمن اجسادا تغادر المسجد يراها كانها لمتسولين من نوع آخر يقفون على باب السماء، بعد ان يتوضأوا من عاهاتهم.! احيى خوف الحاضر في نفسه خوفا مضى اعتقد انه انمحى من روحه لما حل بالمدينة، وصار الماضي نسيجا يحوك تفاصيله كل مرة بطرز جديد، بحسب الحال.! رآى نفسه، ذات زمن بعيد، كالجرد يتكوم عاريا، وهم يحيطون به في ساحة المسجد، الى جانب امراءة نصف عارية، يلتقطون له الصور ويهيلون على كرامته البصاق والركل، بعد ان ضبطوه متلبسا بالجرم المشهود، هو الامام الذي تقف وراءه صفوف المصلين.! كانت تلك خطيئته التي قذفته من الفردوس الى الجحيم، وقلبتْ حياته عال على اسفل، فجأة ودون رحمة.!
لطالما حدث نفسه عن خطيئته تلك، التي كانت بالقدر نفسه او اكثر، خطيئتهم ايضا هم الذين اعتقدوا ان الفقيه من نور الملائكة، واعماهم جلبابه الابيض عن الجسد داخله الحامل للوثة البشر، لهذا قسوا عليه لما خدش تلك الصورة التي في خيالهم، وتناسوا انه بشر مثلهم، ينعم براحة تامة، يستمتع بما لذ وطاب، كما يحتك بالنساء كثيرا طلبا للبركة، وياما كانت البركة بِرْكة من اللذة لايملك الا ان يغطس فيها. ! فهل يد الفقيه منذورة فقط لاجساد الموتى الباردة كي تسدل عليها وداعا مرتجفا من آخر قطعة ثوب، دون ان تحظى بازاحة الثوب عن جسد يغتلم بالحياة.! ؟ لكن هذا لم يشفع له، كي لايستبدل جلبابه الابيض كالحليب بآخر مهترئ حائل الالوان، بعد ان هرب الى المدينة لما صار اسمه مطلوبا للقضاء، وترك اولاده الى الابد ، وصارت يده بعد ان كانت فيها نفحة من بركة، مطروحة على قارعة من صدقة، هي التي ما اعتادتْ عناء الكد.!
هزه الطفل فجأة.. كان قد توقف عن التلاوة واغلق فمه على غير العادة. نظر الى حيث اشارتْ سبابة الطفل، رآى متسولة تحاول ان تخفي ملامحها عنهما، لكنه تعرف عليها، وادرك انها عين تتعقبهم، فايقن ان لامكان في المدينة يخفيه عن عيونهم، وان التسول حُرّم عليهم فيها. لهذا طلب من الطفل ان يدفع الكرسي مسرعا للابتعاد عن ساحة المسجد.. وفي زقاق خلفي ترجل عن الكرسي، وسار مسرعا من فزع والطفل يتبعه.. توقف فجأة ، وضع يده عاى كتف الطفل، وقال بتأثر :
– أتذهب معي، ام تبقى هنا.! ؟
– خذني معك، لا اريد ان ابقى وحدي.. سأقع في قبضتهم.!
– نعم، لن يتركوك. يحتاجون اليك، ليلحقوك بمتسول آخر او متسولة في دور جديد.!
– خذني معك..
– هيا، لن نبقى هنا.. سيقتلوني ككلب ضال لامحالة، لاكون عبرة لأي متسول تسول له نفسه الخروج عن طاعتهم.!
– هيا..
– لكني لن امثل دور المشلول بعد الآن.. ساصير اعمى، وانت تأخذ بيدي الى اول حافلة منطلقة.!
-هيا..
قالها الطفل بحماس. مد يده، وانطلقا الى المحطة مسرعين.!.

أضف تعليقاً