01- فبعد واحدٍ وسَبعين ذِكري ينتبهُ مَذهُولا،عندما تخلت عنه تلك الفتاة التي أخذها عُنْوضة مِن بيْن أحْضَان المدرْسة ذاتَ خَريف، وبسَط نفوذهُ عَلى تلالِها وأدْغالها، هِي ذِي تتحرّرُمنهُ فتُذلهُ وتنْتقمُ، وقد صَارَ لهَا عِيّال، حُجتها أنّه حَرَمَها من العِلم، واسْتغلَّ برَاءَة والدِها وفقرهِ المُدْقع، يسْأل بقرَف: من يُصلحُ ذاتَ البيْن ويُعيد الميّاه إلى مَجاريها؟ أين الرّجال؟ وأيْنَ ألأصدقاء ؟ ماذا يحْدُث في هذا العَالم الموْبُوء؟ يلتزمُ الصَّمت بعْض الوقت، يلتفتُ مُتألمًا..ضاع الجُهدُ هبَاء، يتأمّلُ ما حَوْله ليطمَئِن ويَذهب همُّه وكدَرُهُ، يبدأ قلبُه بِنبْضٍ قويِّ، يسْتجْمِعُ قِواهُ الوجْدانيّة والفكريّة ومِخْيالهُ في جَغْرافيا مُلتهبَة، يتسَلقُ دُرُوبَ الحياة ويتوَارَى في شِعَابهَا، يُوَاصلُ الرّكضَ من جَدِيدٍ عبْر تضَاريسَ المَمَراتِ ألآمِنة، سَنواتُ العُمْر غَارقة في التجَاعِيد، مَطالبُ الحَياة كثيرَة مُرْبكة، تتسَاقط على رَأسِه كحَبّات البَرَد، كانَ من قبل يَتشهَى أنْ يَكُون سَعيدًا، ينشدُ النجَاحَ بوَعْي، ولأجْل ذلك ظل يلهَثُ خلف السّرَاب، مُنتعلا أحْزانه، يُمْعنُ النظرَ في البَعيد، بِعُيُون حَابِلة، ورَأسٍ يعُجُّ بإكرَاهات الزّمَن، يُريدُ أن يحْتوي أزَمَاتهِ، فيَرْصدُ لها هدفًا مُبْتغى، يجْمعُ فيهِ بقايا أوْرَاقهِ الذابِلةِ المُتناثرَة، وما تبقى من الثِمَار يردُمُها في حُفرَة تتسِعُ لأحْلامِه، يزْرَعُ مَرْقدًا من الأزْهار، ليتناوَل فيهِ غيّابَهُ المُفاجِئ عن المَجَالس، وحُضُوره البَطيء في اسْوَاق المَدينة، يُجْهدُ نفسَه ليمْتصّ فُرَصَ الصّمْتِ، وشيْئا من الذكريَات الْهَاربَة، هُو يُدْرك أنّ المَجَالس الطيّبة اندَثرَت، وغابَ مَعَها ذلك الجوّ العَبق، جَوُّ كانَت تفوحُ مِنه رَائحَة الودّ والإخَاءِ وصَفَاءَ القلوب؛ يَسْتأنِفُ حَيَاتهُ من جَديد، يعْتزمُ فعْل شيْء، لكنهُ يعْجُز عَن ضَبْط نفسِه، وكيْف يَقضي ما تبقى لهُ من العُمْر والأيّام هَاربة؟ يرْفعُ رأسَهُ على عَجل، يتجاوَبُ مع لحْظة ألاخْترَاق، يقول بنبْرَة تمَناها أنْ تكون طبيعيّة، ماعَسَاني أفعَل؟ يَتمَنى أنْ يُبلغ رسَالته الترْبويّة للأجْيَال، نصُوصًا تبْعَث اللذّة الجَماليّة في نفوس المُتلقي، كلماتٌ تتدفقُ بالحَنين الجَارف، والعَاطفة الجيّاشة، والعِطرُ الفوّاح، تكتشفُ الوَعْي وشيْئا من تجْربتهِ يُضيئُ بها مَكامِن الخطأ والصّواب، فبيْنَ بوَاسِق الوَجَع وحُلم مُكفنٌ بالضبَاب، يبْقى الصَدَى يتسَكعُ خَلفَ الديّار، كلمَاتٌ تتراقصُ على شفتيْه، وأسْئِلة حالمَة تتزاحَمُ من حَوْله، هسْهسَات كالوحْشَة تنهُشُ كبريّاءَهُ.

2- جَرفهُ الغُرُور والتعَالي كما يجْرفُ الشُعُوب الخامِلة المُتخلفة وَبَاءُ الطاعُون، كان يرْنو إلى مَجْدٍ تليدٍ، كاد أنْ يَتحقق، لوءلا أنء تعرَّضُ لسَطوٍ رَهيبٍ فِي المُمتلكات، وتمَردٌ العِيَّال، تنطفئُ قناديله بعْد الثراء الفاحِش ليَنْتهِي فقيرًا، يَخْتفى على الأنظار، ومن فرَط الاخْتفاءِ صَار بُركانًا يَتلوَى، ودُخَانا يَتلاشى، يكتفى بأنْ يتزحْلق على الأوْهَام، يُرْسل نظراتِه الْحَادّة إلى مُحِيطه الضّاج، الذِي يَشهدُ جَفاء وعُدوَانيّة بدُون سَبَب، بعْد أنْ كانت فيهِ الشَّفقة سَائدَة، والْحَنان والحِشمَة والحَياء، لم يعُد قادرًا على مُقاومَة هذا الغَثيان بمُفرَده، فيبْتلعُ جُرُعَات أحْزانِه في صَمْتٍ، يتجَاهل الذات الرّافلة في لبُوس الوَجَع، يُحَاول دَفن مَاضِيهِ المأزُوم، ليُكمِل ماتبقى لهُ من العُمْر، وعَلى شفتيْه يَرْتسمُ الحُلم ويتدَلى السُّؤَال؛ في أيِّ مُفترقٍ سَيقفُ؟ ولمَاذا؟ ومايَبْرَحُ السُّؤَال يتردّدُ؛ يرَى اشْبَاحًا تظهَرُ وتخْتفي، يَرَى شخْصيَّات تتسَاقط كالذبَاب في قيعَان سَحيقة، كان يتمَنى أن يُبَادِر إلى لمِّ شمْل الأصْدقاء تحْت ظل تِلْك الايْكة الدّافِئة، لكنهُ للأسَف لم يَفلحْ، ففِي العَام الذِي يتمَنى أنْ { يشتري فيه كابُوسًا يَضِيعُ منه البرْنوس} على رأي المثل، قال له ذلك الصديق السَّؤُول الذِي كَان يتردَّدُ عليْه كل يَوم: بِنبْرة الغَضب أنت تقفُ على بوّابة الصّحْراء، اخْشى أنْ تتيهَ أوتقعَ في بَحْرمن سَدِيم؛ الكبَارُالذِين قذفت بهم السيّاسَة لم يَجِدُوا إلا صيْدَا ورُعَاة يسْتأنسُون بهم في الفيَافي، ورمَالا تنْتشلتهم من هَاويّة الوقت، وحُمُرٌ مُبرْدَعَة يرْكبُون ظهُورها؛ فهل تعْتزم أن تعُودَ لتحيا في رمَاد الذكريات؟ ينتفضُ وَاقفا ويصْرُخ : لقد دُسْت على الجُرْح بهذا الْهَذيان وأفسَدْت الفكرَة، فيضَحَك ويَمُدَّ لسَانه سَاخرًا ويقول: {المرْءُ مَخبُوء تحْت لسَانه} واللسَان جُزءٌ من عُقولنا فيجَيبه مُتألمًا: وأيْن هيَّ العُقول؟
3 – وفي ذلك المساء البارد، وبينما هو يقفُ ، امام مفرقة للنفايات.. كانت الكلابُ الشرِّيرةُ تنبحُ نباحًا قاسيًّا، ثم تتشابك مع القطط وتدُورُ بيْنهما معَارك حامِيّة الوطيس في هذهِ اللحَظات تشتدُّ الرِّيح ويكثر الصَّخب واللجب،.يَتدفقُ الماضي مَاثلا أمَامَ الحاج سَالم، فيشعُر بنوْعٍ من الخيْبة والإحْباط، تتقاذفُه امْواج الضيَاع، تداهِمُه تهاويم حُبٍ قديم، يقرأ حيْرَة الناس في وجُوهِهم..ولا يَدْري إنْ كانوا هُم يقرؤُون حيْرتَهُ..تخْرجُ امْرَأته الأولى من مَقر الجمْعيّة وقد صارَت أرْمَلة، تدْلِفُ السُّوق غيْر عَابِئة بالمُتسوِّقين، تتوسّل مَطالبهَا في بعْض العُيُون، تتبخْتر بشَالها الأبْيض المُتموِّج مِثل موْجَة دَافئة، تطفحُ بأنُوثة واضحَة، أمْنيتهُ أنْ تنْتبهَ إليْه وتكابِدهُ بُؤس ألأيَّام، المُتسَوِّقون يُغادرُون السُّوق، يتوزَّعُون أفرَادًا وجَمَاعَات، تبْقى وحْدَها كأنّها شَاهِدَةٌ على اللحْظة ألأخِيرَة، يمْشى نحْو الطريق الذِي تسْلكهُ، يُحَاول أنْ يُلفت إنتباهها اليه ويُحيِّيها، يخشي أنْ لا تجيبه ويخَاف أنْ تشتُمه، يتظاهَر بأنّه مُتوَجهٌ نحْو ألمقهى، يقتربُ منها، تتجَاهله كيْ يمْضِي حَال سَبيله، كان غارقا في احْلامِه وعَواطفه،.فجْأة يلتقي بها، يُحيّيها بحَرَارة، فتردُّ عليْه بهُدُوء، أخذ يُحَمْلقُ في وجْهِها مَبْهُورًا، تسْأله بلبَاقة: كيْف حَالك ياسَالم؟! تعثرَت الكلمَات وكان حديثه ثقيلا يقول:إنهُ يعِيش وَحْدَة ولانهَاية لهَ، يُريدُ أن يقترب مِنها لتنتهي غرْبته، تبْتسِمُ، تلعَبُ عيْناها في البيَاض، تعُضُّ على شفتيْها بقوّة، تهْمَسُ إليْه..ليْس الآنَ. …

أضف تعليقاً