ذهب الأولاد يتأرجحون بعيداً في الحديقة، جلس جانبي ذلك العجوز النحيف الهزيل البنية يدخن سيجاراّ بعد آخر؛ فقلت له بلهجة لوم وعتاب: ياحاج، أنت ضعيفٌ وكبير فلماذا هذا التدخين الذي يؤذيكَ ويُمرضك؟ ألا تخاف على صحتك؟ ألا تعلم أنّ التدخين مسرطن؟ اشتري بهذا حباتِ سكاكر وارجع بها لأحفادك تُفرحهم بها وتفرحُ أنت لفرحهم أفضل لك ولهم وأنفعُ وأكثر فرحاً.
نظر إليّ وهو دامعُ العينين فردّ بألمٍ وأسى: أحفادي؟ أين هم أحفادي؟! أين هم!!!
_أليس عندك أولاد وبنات متزوجين؟
_بلى، عندي خمس أولاد وكذا من البنات، كلهم متزوجون، وخمسة عشر حفيداً…. ولكن، أين هم؟
نزلت دموع عينيه فاستدرك: هم في كندا، والسويد، والنرويج، وأميركا، وبريطانيا وألمانيا و….فبكى وأدمى قلبي.
تركته وقلبي يتفطر لحاله ويقول له: دخنْ ياعمّ…. دخن (قديش مابدك).
حضر أولادي فتدخلوا: لقد أبكيتهِ…
قبل أن نخرج من الحديقة ونحن نسير راجعين وقعت عيناي على تلك البدينة التي تأكل بشراهةِ الجائع سنة كاملة. وحيدة تجلس على مصطبةٍ بالكاد تتحمل وزنها، تأكل وتأكل بصورة مقززة فتتناثر بقايا الأكل في حضنها وعلى الأرض.
من فوري صحت: قللي من هذه الزبالات يامرأة…ماهذا! تأكلين وكأنك لم تذوقي الطعام من سنة فتنثرين ما عفتيه على ثوبك وهنا وهناك؟ ارفقي بمعدتك المسكينة وارحميها.
حملتْ عصاها وركضت نحوي مصممة على الامساك بي.
هربت وأولادي وخلفي البعض يُسمعني: اتركيها وحالها فإنها مجنونة.
قبل أن نسرع هاربين من الحديقة، رأيته يقبّلها وهي تبكي بدموعٍ غزيرة، فانتبهت أني يجب أن أنبهها:
_أرجوكِ عيب هذا ولا يصح أمام العامة، ماذا تفعلان؟ هذا في البيت.
وقفت تصرخ في وجهي مقتربةً مني: مؤكدٌ أنتْ لا تحسينَ بي وأنتِ تملكين هذه الجوقة… أنا محرومة من نفسٍ واحد. هل تُحسينَ ما أحسّه؟!
نظر لي أولادي نظرة لومٍ وعتاب، تَلُّونِي من يدي فأخرجوني للشارع.
رجل كبير يضرب طفلاً (ويسحلهُ) في الشارع العام المزدحم… ركضتُ نحوه ولكنّ الأولاد صاحوا بصوتٍ واحدٍ: تاااكسي… تااااكسي؛ فكان جسدي في السيارة وعيني عليهم.

أضف تعليقاً