طالت الرّحلة حتّى كادت تتيبّس في مكانها..
النّاس وافدون وآفلون وهي لا تتزحزح..
مُذْ قطعت التّذكرة وهي تحاول رسم تفاصيل اللّقاء: وردة حمراء وباقة كلمات وبحر من عناق.. ما سمحت للنّوم أن يراودها عن رسمها، عيناها مثقلتان كرى والنّبض يأبى غفوة.. سكن أطرافها وهن شديد وهي تمنّي نفسها بلقاء يرمّم ما تشظّى بارتجاجات الغياب…
توقّف القطار.
جرّت خطاها خارجه مثقلة بالحنين والأمنيات..
تعثّرت وهي تطأ الدّرجة الأخيرة. كادت تقع على وجهها وتتهشّم نافذة الحلم..
يد لا تعلم من أين امتدّت إليها تمسك بساعدها وبينها وبين التّهاوي بعض نَفَس.. تخور قواها، ترتمي بكلكلها عليه، يحملها ككومة ريش نحو مقعد قريب مهجور، يضعها عليه برقّة الورد، يسند ظهرها المكدود صبرا على عاتقه ويسربلهما سكون الفجر النّديّ..
جلبة تمزّق حجب الصّمت، تقتحم هدأتها، تبعثر خُطى ارتحالها في سكرة الاستكانة..
تتململ، تمدّ يدها إلى دثاره النّاعم، تجلدها أخشاب قُدّت من صقيع..
تفتح عينيها، تجوب المكان تسآلا، يصفعها الغياب، تتشمّم عطره فيها، بعوي في وجهها الخواء..
يعصف الفؤاد، تمطر المقلتان، تسيح ألوان الورد ويعشّش القفر على شفتيها.. أجراسُ الحيرة تقرع أجراسَ الخيبة، يتمتم فيها الوجع:” أكان الفيءُ حلما بلا ذاكرة..؟”
على حافة سعير الفقد تهوي عليها سيوف الشّوق مسنونة..
تتكوّر الأمنيات فيها، تندسّ في سراديب الصّمت، تناشد الرّوح دروعَ صبر..
بين السّيف والسّيف يتسلّل رمح الحنين..
يعلو نحيب النّبض، يشتدّ في الوريد الأنين، تلجّ يسراها، فيها تنتفض بقايا رسم حنّاء خضّبها بها بوح لقاء..
المقعد الخشبيّ يتلوّى تحت جسدها المتلظّي بمجامر الوجد، يرجوها رحيلا وقدماها تتشبّثان بالمكان..
تشتمّ رائحة الاحتراق، تهمس:” رمّدني أيا مقعدا أطاح بي من عل نحو وهاد الغربة الصّخريّة.. تهشّمت فيّ الحكايا كجدران قُدّت من مرايا، وأثخنني التّشظّي..”
يلملم المقعد الأصمّ أسمال الذّاكرة، ينتسج منها جسر عبور إلى زمن الغياب، يشدّ
طرفه إليه ويرمي الآخر نحو باسقة حلم في الذّرى..
يهمس لها:” شدّي إليك الصّبر
وأوبي بلا قطارات الارتحال العبثي..
تصعّدي نحو السّماء اقتطعي منها أنجم حكايا منارات لآتي الطّريق..”
تتشبّث به..
تلفّ أهداب الحلم حوله، تتعلّق به كشرنقة، تتمتم:” في حضنك سأغدو فراشة يرفرف جناحاي بلا بوصلة ولا رسم لنقاط وصول.. كطيف النّسيم أهجر مراكب الوجع وأسكن أكمام الورد أثمل بالعبير..”
يسحب جسره من الأفق البعيد..
يلفّها به بُرد جَلَد..
يستجدي الشّمس أهدابها، بها يغزل خيوط ألق في اللّيالي المعتمة،يغمز للبدر أن “اُلثم وجهها المكفهرّ عساها تُشرق من جديد..”
تشتدّ حرارتها..
تحتضن الفراغ..
تهذي..
يصغي إلى حروفها المتقطّعة، يذوب جليد صمته في تنّور بوحها ولسانها يلهج بصوت أشبه بغرغرة الاحتضار:
” إنّي أشرق بغيابك يا أنا..
تلفحني هاجرة الحنين..
في كلّ خطو للنّبض في خافقي أراك دمعا حارقا تسكبه براكين النّوى..
أنّى ارتحلت وألقمتني علقم بيد السّنين..؟
على حدّ خنجر الفقد أمضي إليك في متاهات المُنى..
أخشى أزلُّ فتثخنني خيبة الخطو جراحا وتسكن خافقي دبابير الأنين..”
يضمّها إلى صدره المضطرم ولَها..
تلتقي المجامر فيضوع طيب الوصال..
يهدهدها، يلثم جبينها المتعرّق، يحتويها بذراعيه حتّى تمسي كعصفور في كفّ صبيّ..
ينحني إليها، يهمس لها:” نحن هنا..لا بيد تمزّق الحلم فينا ولا عصف نوى.. بيننا وبين الصّبر عمر حُكناه من حرير خافق فينا انغرس، وطيبه انتثر في دروبنا.. فأنّى أكون، أنبض الرّوح، وإن تباعدت الخطى غير عبير روح يسري بيننا..؟”
بلهفة الظّمئ تُشرع عيناها بوّاباتها، كمن بُعث من المقابر تتفرّسه، مرتعشة تمتدّ إليه يدها تتحسّسه، تقفز خارج حضنه، تتباعد، تتداني، تصرخ:” أيّكما الحلم.؟” تردّد محطّة القطارات الخالية الصّدى..
يبتسم عامل نظافة يكنس بقايا أنفاس العابرين..
يندسّ قاطع التّذاكر في مقعده الجليديّ..
تتمنّى الخطوط الحديديّة لو تمسي فراشا وهي تراه يقف باسقا ويداها تلتفّان حول رقبته وهو يحيط خصرها بذراعيه ويدوران، يدوران كزهرة عبّاد شمس تبحث عن ضياء..
- تراتيل الحنين
- التعليقات