وراء الشمس، بعيدًا عن كل خطوط الاستواء، وعند التقاء خط الميل الأكبر، تقبع نقطة سوداء لا تكاد تُرى على الخريطة الكونية. في سويداء قلبها الأسود تقع جمهورية (كوكو واوا). يحدُّها من الشمال ساحل المحيط الهائج، ومن الجنوب سلسلة جبال الوهم، ومن الشرق أرض الأهوال، من الغرب صحراء الأحلام الضائعة.
وجمهورية (كوكو واوا) -لمن لا يعرف- من أعرق التجمعات السياسية في كوكب النِّسيان، تعود حضارتها لعدة سنوات ضوئية سابقة، وشعبها هو أول من عرف الصيد والرعي، واستئناس الحيوان، والزراعة، والبناء، والتعدين، والملاحة، والكتابة، وخاض حروبًا طويلة مظفرة، سطر ملاحمها على جدران معابده، حيث إنه شعب متدين بالفطرة.
تُدار (كوكو واوا) منذ الأزل بنظام ديكتاتوري غاشم، يملك فيه الحاكم الأرض ومن عليها، وتُجبي إليه ثمرات كل شيء، نظير الحفاظ على وحدة البلاد، وعدم تفككها وانهيارها كغيرها من التجمعات المجاورة، التي أضحت أثرًا بعد عين، وانداحت في الفضاء الواسع خارج المجرة، أو ابتلعها الثقب الأسود.
ورغم وقوع (كوكو واوا) في حزام الزلزال الكبير، إلا أنها كانت مطمعًا للغزاة عبر التاريخ، من داخل الكوكب ومن الفضاء الخارجي على حدٍّ سواء، حيث تمتعت دائمًا بثروات طبيعية متنوعة، وموقع استراتيجي عبقري، ومناخ معتدل فريد. وقد خضعت للاحتلال حقبًا طويلة، تخللتها ثورات عديدة، وفترات استقلال معدودة.
عصفت بالبلاد مؤخرًا أزمنة اقتصادية طاحنة، أكلت الأخضر واليابس، ولم تفلح سُبل التمويل التقليدية في اجتيازها، اضطرت معها الحكومة إلى فتح الباب على مصراعيه، لتلقي القروض والديون الداخلية والخارجية، والمنح والتبرعات والإعانات، وقامت بمضاعفة واستحداث الضرائب والرسوم، وبيع الأصول، والتأميم، والمصادرة، والاستيلاء على ممتلكات المعارضين والأعداء.
اجتمع نوّاب البرلمان الذين ينتمون جميعًا للحزب الحاكم، ويتمتعون بصلاحيات واسعة في المناقشة والحوار، على أن لا تخرج التوصيات النهائية والقوانين المُجازة عن الخط المرسوم. طُرحت عدة اقتراحات دون أن تحظى بالاهتمام، ثم طلب زعيم الأغلبية الكلمة.
اشرأبت الأعناق، وسكت الجميع كأنما على رؤوسهم الطير، فالرجل حنجوري مخضرم، عاصر عدة ديكتاتوريات، واحتفظ بمقعده قرابة نصف القرن، وله في القاعة صولات وجولات مشهودة.
التقم النائب الميكروفون بهدوء، وتعمد الصمت لدقيقة، استولى فيها على اهتمام الجميع، ثم دوّى صوته الجهوري في حماسة، مقترحًا إعلان الحرب على دولة (شيكا ريكا العظمى)!
كذَّب القوم آذانهم، (شيكا ريكا)؟!! الدولة العظمى الأولى في المجرة؟ التي تخطب كل الدول ودَّها ويخشى الجميع بأسها بلا منازع؟ (شيكا ريكا) التي استعمرت نصف الكوكب، وساهمت في استعمار النصف الآخر؟
ولما تأكد لهم صحة ما سمعوه تباينت ردود أفعالهم: فمنهم من وضع كفيه على رأسه تعجبًا، ومن فغر فاه من الدهشة وذهل عن إغلاقه، ومنهم من يبست قدماه وعجز عن الحركة، ومنهم مَن فقد القدرة على النطق، حتى رئيس المجلس الموقر نفسه، أسقط في يده فقد غُصُّ بريقه، وكادت روحه تخرج، لولا أن سارع أحد الحرس إلى توجيه بضع لكمات متتالية إلى منتصف ظهره، أعادت إليه رشده فنظر إليه شاكرًا.
ثم تحول للنائب، وصاح في حنق بعد أن عاد إليه صوته المفقود:
– أنت إذن تجرنا مع سبق الإصرار إلى حرب خاسرة، لتحتلنا (شيكا ريكا العظمى) التي لا قِبل لنا بها و…
– هذا بالضبط ما أهدف إليه سيدي!
ذهل الجميع لهذا الاعتراف السافر بالخيانة، لكن الرجل استدرك في ثقة عجيبة، وهو ينظر إلى سقف القاعة نظرة حالمة، كأنما يستشرف المستقبل:
– تخيلوا أيها السادة الوضع بعد ذلك… كل مشاكلنا ستُحل بأعجوبة في مدة وجيزة، سوف تشهد البلاد نهضة شاملة في الزراعة والصناعة والسياحة والتجارة، وينتعش الاقتصاد، وتتدفق الاستثمارات من جميع أنحاء العالم و…
في صبر نافد سأل رئيس المجلس بسخرية:
– ولماذا في رأيك سيحدث هذا التحول المفاجئ؟
– لسداد فاتورة الحرب يا سيدي!
– وماذا بعد؟
– ما هي إلا سنوات معدودة، نتخلص فيها من أزماتنا، ثم نفاوضهم على الجلاء، ونظفر باستقلالنا!
سرت همهمات خافتة، تصاعدت تدريجيًّا، ثم تحولت إلى سباب، واتهامات بالعمالة والخيانة، تلتها صفعات وركلات ولكمات متبادلة، وتطايرت بعض الكراسي، وتناثرت المصابيح المحطمة على الرؤوس. حتى اضطر رئيس المجلس لسحب مسدسه، وإطلاق عدة رصاصات في الهواء للسيطرة على الموقف. عاد الهدوء للقاعة من جديد، ثم قطعه صراخ زعيم المعارضة:
– وهل ينقصنا حل مشاكل غيرنا، ونحن نعجز عن حل مشاكلنا؟
سأل رئيس المجلس في دهشة:
– ماذا تقصد؟
– سيدي! ماذا لو انتصرنا عليهم؟.

أضف تعليقاً