أُعلِنَ عن دورة تنمية وتدريب لتنشيط الكوادر العاملة في الدولة بإشراف هيئة دولية . تمّ ترشيح أفضل الكوادر ، وأكثرها خبرة في العمل . كان أبو سعيد أحدهم ، والأصغر سناً بينهم .
تفاعلوا مع إدارة الدورة ومدربيها . المدرسون جلّهم من خيرة الشباب ، ومن بلدان متقدمة في مجالات تخصصهم ، إنسانيون يعملون على نقل خبراتهم للمتدربين ، يشرحون كل مستحدث ، ويعقدون ورش العمل لتصل كلّ جزئية من معارفهم للآخرين ، همهم نقل خبراتهم بأمانة لهؤلاء المتدربين ، وعن كيفية نقلها لزملائهم في وزاراتهم .
انتهت الدورة ، وعاد الجميع إلى أماكن عملهم ، بعضهم اعتبرها فرصة لزيادة معارفه ، وآخرون أحبوا أن ينقلوا ما تعلموه لزملائهم . أبو سعيد تحمّس كثيراً ، شعر أنه عاد شاباً وكأنه بدأ عمله من جديد ، تناسى الثلاثين عاماً التي قضاها في الوزارة متنقلاً من كرسي بلا طاولة ، ثم من مكتب لآخر ، والأضابير المكدسة أمامه ، وعلى طاولات الزملاء ، وطلبات القهوة والشاي ، وجلسات المتّه ، والأحاديث المطولة والمملة ، وحياكة الأصواف ، وتناول سيرة المدراء المتعاقبين ، ورؤساء الأقسام ، والروتين المخيم كقضاء وقدر ، وتعقيد المعاملات ، والطلبات المعجزة للمراجعين .
أراد أبو سعيد أن يعقد دورة للزملاء لينقل كلّ ما تعلّمه إليهم . أخبر رئيس قسمه الذي أُعجبَ بالفكرة ؛ وأحاله على المدير . شرح مطولاً فكرته ، وخطة العمل ، وفائدتها . هزّ المدير رأسه عشرات المرات وهو يستمع لأبي سعيد ، وأخيراً طمأنه أنه سيخبر الوزارة ليتشرف بالموافقة . رجع أبو سعيد للجلوس خلف مكتبه متفائلاً ينتظر العمل .
كرّت الأيام ، والأسابيع ، والشهور … وأبو سعيد يقرأ في الجريدة عن عقد دورات تنمية جديدة، وعن نعوات الوفاة لكثير ممّن التقاهم في الدورة إيّاها ، وكي لا تفوته فرصة تحقيق حلمه ، تقدّم بطلب تمديد خدمته سنة أخرى ؛ إذ سيبلغ الستين بعد ثلاثة أشهر ، ويُحال على التقاعد . تلقّى وعداً من مديره ؛ فتأمّل خيراً ، لكنّ الروتين سرق الزمن ، وقبل أن يأتيه الردّ أبلغه رئيس قسمه خبر إحالته على المعاش .

أضف تعليقاً