سادَ صمتٌ طويلٌ بيننا منذ استأذنته مُشاركته الطاولة، على رصيف هذا المقهى العتيق .. هو بهدوء يحتسي قهوته مُختالاً بِخاتمه المُرَصَّع، يضبط ربطة عنقه بين الحين والحين، وأنا أُشَنِّفُ مسامعي بغناء أم كلثوم المُنبَعِث مِن الداخل .. تململتُ مُتأهِّباً لمناقشته على استِحياء:
– بالأمسِ فقط انتهيتُ مِن قراءة مجموعتك القصصية الأخيرة .. يا لها مِن مُدهِشة رغم بعض ملاحظاتي .
– ملاحظاتك ..؟!
و خُضنا في نقاشٍ طويل .. أحرَجَني خواؤه الفِكري و سطحيته، على غيرِ مستوى نُصوصه .. مدَحَني خِتاماً:
– قارئٌ جميلٌ أنت .
– العفو أستاذنا .
أخرَجَ مِن حقيبته مجموعة أوراق رديئة النوع .. ناوَلني إحداها:
– قُل لي رأيك في هذه.
قرأتها بِنَهَمٍ عجيبٍ .. نطقتُ لفظ الجلالة عند قفلتها:
– الله ..! ما هذه الروعة سَيِّدي ..!، أظنك لم تنشرها بعد فأنا لم أدَع لك مجموعة إلّا و قرأتها .
– هيَ مجموعتي القادِمة .. النشر مُكلِف يا صديقي .
– جداً جداً أستاذنا .
– خُذ هذه أيضاً و قُل لي رأيك فيها.
ابتسمتُ فَرِحاً وقد انتابني شعورٌ بفَخرٍ كبير .. كيف لأديبٍ شهيرٍ أن يطلب رأيي في نصوصه قبل نشرها ..!، قرأتها التِهاماً و ما رأيتني عند نهايتها إلّا واقِفاً رافِعاً كفّي صائِحاً إعجاباً:
– الله ..! ما هذه الدهشة ما هذا الجمال ..!.
تَحَلَّقَ مِن حولنا كل رُوادِ المقهى وكلُّهم مِن أهلِ الشِعرِ و الفنِّ و الأدب، و مازال يناولني و أنا أقرأ بصوتٍ مسموعٍ، وعند كلِّ قفلةٍ نصيحُ جميعاً إعجاباً:
– الله ..!
و مازال شابّاً بملابسَ رَثّةٍ جالِساً على درجةِ الرصيفِ يرمُقَنا .. يُعيدُ عَدَّ جنيهاتٍ في يده ..و يعودُ من جديدٍ ليرمُقَنا.
- جنيهاتٌ قانية
- التعليقات