لم يتجاوز الخامسة من عمره .. نقده أحدُ السيّاح جنيهًا كاملًا مقابل مرآة دائريّة صغيرة تساوي قرشين .. هو لا يدري لماذا ؟! ربما تعاطف معه لأنّه صغير .. ربما أشفق على صغره .. فشعر أنّ الجنيه يساهم في شيء يخفّف عن الصبيّ .. أيّ شيء .. ربما أراد أن يفرحٙه .. بالفعل .. فٙرِحٓ الصغيرُ .. لم يعرف الجنيهٙ إلّا من خلال رؤيته .. كاد أن يطيرٙ من الفرح .. ولكنّها فرحة منقوصة .. كانت هناك عينان صغيرتان ترقبه بحذر .. وترقب الجنيه الذي بيده في ذهول .. وتزحف نحوه في هدوء .. كانت تكبُره بثلاثة أعوام .. : أريني ما معك يا حبيبي .. إنّه جنيه كامل .. أنت شاطر وحلو .. سارت به نحو مقبرة عائلية .. شرق المسجد العمري الكبير بمدينة غزّة .. وهي ما زالت تغازل غرورٙه .. انحنت على الأرض تلملمُ حبّاتِ التمُّور المتساقطة من خلف جدار المقبرة .. ملأت جيوبٙه .. أعطتهُ خمسةٙ قروش .. انسلّ الجنيهُ من يده البضّة .. إلى جيب مريولها المدرسيّ المتّسخ .. أعجبه مدحها الناعم له .. وفجأةً !!!؛ نظر في يده .. أين ذهب الكنزُ الذي في يده .. هو يقسمُ في قرارة نفسه أنّه لا يمكن أن يستبدل الجنيه السحريّ بكلّ أموال الدنيا .. ولا بذهبها ولآلئها .. ولا ببيوتها .. ولا حتّى قصورها المتهالكة .. هو لا يظنّ أنّه يمكن أن يتنازل عن كل هذا الثراء الذي سقط عليه من السماء .. مقابل حذاء جديد يشعره أنّه يسير في طريق ناعم كالحرير .. هذا الجنيه لا يمكن استبداله بألف جنيه .. بدأ يستعرض ذكريات الدقائق الأخيرة .. تراءت له الفتاة وهي تمنحه القروش الخمسة .. في الوقت الذي كانت تسحب من يده أغلى شيء .. ورقة .. ورقة جنيه .. جنيه مصري .. ورقة كبيرة .. كبيرة جدًا .. بحجم الشمس .. بحجم آماله وأحلامه .. سلبته الفتاة سامحها الله حلمًا جميلًا .. كان يخطّط أن يعود إلى البيت .. فيملأ الدنيا جلبة وصياحًا .. كان ينتظر أن يراقب الفرحة التي غادرت وجه أمّه المتعب .. أن تعاودها حين ترى الكنز .. كان ينتظر أن يستريح والده العجوز من العمل .. كان ينتظر أن يقضي نفس أخواته البنات في تناول الكباب .. وربما حلم الصغيرُ يومها أن يشتري لنفسه حذاءً لا تظهر منه أصابع قدميه .. كان يشعر أنّ هذا الجنيه يمكن أن يفيض فيغطّي بخيره كلّ منازل الحيّ وربما الأحياء المجاورة . ما إن تنبّه لطيران الكنز من يده .. حتّى أسرع يستحثُّ والدٙه على الإسراع قبل أن تطيرٙ الفتاة نفسها .. تهلّل وجهه حين اقترب من الفتاة التي أسرع والدها بإعادة الجنيه لوالده بعدما عرف القصّة .. في هذه العُجالة لم ينسٙ الصغيرُ أن يعيدٙ للفتاة قروشٙها الخمسة .. وهو يشعر أنّه كٙبُر .. كبر حتى عانق النجوم .. النجوم البعيدة ..

أضف تعليقاً