في آخر مزاد علني للنحيب ، فتحوا فمي عنوة ودسّوا فيه عبوة من بكاء ، لم يثرني الأمر ولا أزعجني إطلاقا ً فقد كنت بحاجة إلى ذلك خاصة بعدما فقدت حاسة الضحك واستهلكت نصف حواسي وإن كان أغلبها معطلة ، لكن ما أثارني حقيقة ذلك الرجل الذي وقف على دكة إسمنتية ربما كانت شاهدة وضع حجر الأساس لسوق المدينة الكبير وهو يصرخ بأعلى صوته .. تنزيلات ..- تنزيلات -.
لم تكن أمام الرجل أية بضاعة سوى ازدحام بشري كثيف ، كم ّمن البشر لا يحصى له عدد ، يقف خلف هذا المنادي رجل غليظ شديد كلما صاح- تنزيلات – ضربه على عجيزته بعصا ضخمة ، فيضحك المنادي حتى لم يعد الجمهور يميّز ملامح وجهه.
المدينة ضاجة بالبشر ، الشوارع مبللة .. الناس مبللون .. الأرض مضرجة بالوحل وكأن مطرا ًغزيرا ً قد توقف توا ً، المنادي لا زال يصرخ – تنزيلات .. تنزيلات .. بعدما بحّ صوته أخذ يستخدم بوقا ً كبيرا ً جدا ً يعطي نغمة خاصة كأنه يقول – تنزيلات- صوت البوق يضاهي صوت سيارات الإسعاف أو الأطفاء وتستطيع أن تسمعه على بعد أكثر من ألف متر ، بعدما ملّ النفخ وتحطمت حنجرته بدأ يلعب بالبوق العابا ً بهلوانية ، يرميه إلى الأعلى ثم يمسكه ويمرره من خلف ظهره وبين رجليه ثم يلتهمه حتى أكله بأكمله ، الناس لا زالت تتوافد من كل حدب وصوب وبصعوبة تجد لها موطيء قدم ، بعضهم قدّت ملابسه قبلا ً أو دبرا ، عاد المنادي يصرخ والرجل يضربه بعصاه التي تشبه ثعبانا ً أسود وهو يزداد طولا ً حتى اختفى وجهه تماما ً والذي لا نعرف ملامحه مذ كان طوله بمستوانا إلا أن أقدامه لا زالت مسمّرة على الدكة الأسمنتية .
جاء حشد/حشر من الناس من الجهة الشمالية للسوق ، اشرأبّتْ الأعناق يمينا ً، سكون يشبه أجواء المقبرة بعد انتصاف الليل، الوجوه كالحة يابسة كأنها هياكل من طين نفخت فيها أرواح فأعطتها حركة الآدميين ، الحشد يقترب ، المدينة تعطلت عن الحركة فأغلقت المحلات وتوقفت السيارات .
طائرات هليوكوبتر تحلق فوق المدينة بارتفاع شاهق يفوق عددها عدد الطيور ، إمرأة قريبة مني بكتْ بصوت مرتفع فلطمها رجل يقف إلى جانبها على فمها فاخرسّتْ في الحال ، بدأ الحشد يقترب أكثر ، كانت له رهبة كبيرة ، البعض بدأ يرتعد ، تتقدمه جنازة كبيرة يزيد طولها على خمسة أمتار محمولة على رؤوس الأصابع ، تعلوها صورة لرجل غير واضح الملامح محاط بأغصان من الآس ، التابوت ملفوف بقطعة خضراء مطرزة بنقوش مغربية باللونين الذهبي والفضي ، في المقدمة رجل دين يصرخ لا اله إلا الله .. فيردد الحشد بصوت واحد ، نبرة واحدة عالية وطويلة حزينة … تنزيلات.. تنزيلات –
التقى الحشد الجنائزي مع حشد المنادي واختلط الحابل بالنابل، فجأة انفلق التابوت وخرجت منه طيور سود يزيد عددها على الآلف ، تحلق وتنخفض دون أن ترفرف بأجنحتها ، تشبه طائرات ورقيه سوداء ، أنا اعتقدتها غربان ، حلقت عاليا وصرنا لا نفرق بينها وبين طائرات الهليوكوبتر التي كانت تغطي سماء المدينة إلى ما قبل لحظات قليلة
نزل المنادي من منصته فاهتز المكان تحت أقدامه ،انهالت عليه الضربات من كل جانب رجما ً بالحصى والأحذية والنفايات والبيض الفاسد ، تراجع المنادي عن طوله وبدأ يقصر عن كل ضربة حتى صار بنفس أطوالنا ، وإشارة إلى فكي فتحت صفحه أخرى من فمي ، وجدت لساني يعلق أخطاء وأسئلة فتجرأت وحاولت أن أحاوره ، بعد الاتكال على الله بدأت أشق الصفوف للوصول إليه ، كان الرجل يشبهني إلى حد ما ، حتى سمعت أحدهم يقول هذا سعدون ، فقلت له لا.. لا .. ها أنا ذا وأوقفته عند حده ، انهالت عليه الناس بالضرب مجدداً كلما يضربونه يضحك وأنا أتألم ، صار كتفى وظهري أحمرين وتورم قسم منها وهو يضحك ، يسأله الناس أين التنزيلات فيضحك ، استلّ رجل قريب منه سيفاً كان يخفيه تحت ثيابه ، فضربه على أم رأسه كاد أن يفلقه إلى نصفين لولا إن بعض القريبين منه مسكوه من يده فخففوا من حده الضربة .
المنادي يضحك رغم قوة الطعنة وعمق الشق، أحسست ُشيئا ًساخنا ًلزجا ًيسيل على جبهتي ، هو يضحك وأنا مضرّج بالدماء ،ثم بدأ يطول مرة أخرى تدريجيا ً، ضربه أحد الصبيان السفلة على رجله بحجر فضحك ملء شدقيه ووقعت أنا مغميا ً عليّ، للمرة الأولى أنام وأصحو دون حلم ، نقلوني إلى المستشفى ، خضعت لعملية جراحية وتبين أن كسر رجلي مركب /معقد على حد وصف الطبيب ، وأنا أتأوه من شدة الألم فتح الممرض تلفزيون الردهة فظهر المنادي الذي يشبهني إلى حدٍ ما على شاشة التلفزيون يدلي بحديث صحفي محاطا ً بعشرات الصحفيين والمصورين ، أصلع ، جلدة رأسه تلمع تحت الأضواء ، في مقدمة رأسه خسفة بسيطة ، نظارته الطبية تنزل على أنفه بين لحظة وأخرى فيرفعها قليلا ً ويمسح لحيته ، لحيته الكثة من الذقن فقط ، أما ما يعلو الخدين كزغب فراخ البط ، المرضى يسألونني ، الممرضات يسألن بإلحاح وأنا أدفع التهمة ، تجمع المرضى وكل من في المستشفى حولي ، حتى ضاقت الردهة وغصّتْ بالناس ، أنا أتأوه من الألم ، أصرخ – أين الطبيب ؟ أين الممرضات ..أريد مسكّناً ..مهدئا ً ..أكاد أموت ومن حولي يسألون
– أستاذ متى عقد معك هذا اللقاء وهم يشيدون بقدرتي ولباقتي في الحوار .
وسط هذا الزحام في الردهة دخل مدير المستشفى وثلاثة شرطة والمنادي ..الناس تنظر باستغراب ، لا زال أحدنا يتحدث في التلفزيون ، المرضى أفسحوا المجال لمدير المستشفى والشرطة ، أغلق َ المدير جهاز التلفزيون ، وقف المنادي وسط الردهة ، سحب أحد الشرطة أقسام بندقيته ، صاح الشرطي الآخر :
– عندما تكون حاضراً على الهدف ..أرم ِ؟!!
أفرغ الشرطي عشر إطلاقات في رأس المنادي ، ضحك المنادي عاليا ً وتناثرتْ جمجمتي في فضاء الردهة ، في غرفة التشريح سمعت الطبيب القائم بالتشريح وهو يبقر بطني يقول : –
– مسكين هذا الرجل ليس هو المقصود –
وضع في بطني باقة ورد وهو يضحك عاليا ً أثناء خياطة الجثة وقد كتب في تقرير الطب ألعدلي .. توقف مفاجيء في الدورة الدموية والقلب وغاصت عيناه في محجريهما تماما ً من الضحك ..

أضف تعليقاً