بدأ المخدر يأخذ مسراه في جسدي, وفي استرخائي هذا سافرت أفكاري إلى عالم خبرته في غربة قاسية, ذهبت بي إلى مدآيات البؤس والشقاء, تراءت لي بانوراما فخمة تجسد كل عربات الحرب التي خضتها مع الجميع في تلك الأيام العصيبة التي كانت الأرض تتمرجح من فعل القصوف, وكانت السماء ترتدي ثوبا فضيا في حالكات الليالي وهي تحتضن ثريات التنوير,وفي كل سني الحرب البائدة لم نكن نفكر ولا نحلم ولا نتمنى ولا ننتظر ولا نفرح سوى لأنموذج الإجازة, وكثيرا ما كان بعضنا يردد باقتناع قروي (أمران يحرّم تأخيرهما الجنازة والإجازة)وحين نخبئ ورقة الإجازة في جيوبنا الخاكية تمتلكنا الطمأنينة, وإذ نستقل السيارات الكبيرة بلا توابيت آنذاك نكون قد سلّمنا أجسادنا المتعبة إلى نوم هانئ لا يقلقه خوف أو رعب وكأنّ السيارات مهاد أمهاتنا إذ يدب الخدر الجميل, أووووووه الخدر, لقد بدا الخدر يسري بكثافة مفعوله إلى جسدي المسترخي تماما. ها أنا ذا أرى جيوشا غريبة كيعاسيب معصوبة الرؤوس بأشرطة حمر وهي متهيئة للهجوم على المغول, وأرى طيورا وأرضا خضراء ندية, ألآن بدا جسدي بالتخاذل وعيناي أخذتا طريقا للنوم, ترى ماذا ستفعل المباضع والمشارط الرهيبة؟في لحظة صامتة جدا رأيتني قاعة كبيرة مستطيلة الشكل طولها يبلغ ضعف عرضها , ذات أعمدة حجرية مدرجة الأطوال ,يبعد الواحد عن الآخر مترين وعند كل عمود تشمخ مبخرة بدائية وينتصب سيفان كعلامة الضرب، وتتناثر هنا وهناك أطواقا حديدية تحمل فتيل الإنارة ,دكك حجرية ,موائد تنتشر على امتداد القاعة، كؤوسا فضية، وأخرى فخارية، بهرتني القاعة بشكلها المتفرد وبجمال عمارتها, وبسقوفها المتلألئة بالنقوش والنحت التي ذكرتني بالفنان (مايكل أنجلو)كان ارتفاع القاعة شاهقا وصلت حائطها البعيد بعد تأمل وانشداه دخلت حجرة صغيرة ذات باب واحد,فتحته فإذا بباحة مدورة طليقة الفضاء ونور الشمس فيها يصول ويجول كيفما يشاء,مكتظة بمقاعد حجرية متسلسلة بارتفاع مخروطي, وفي دفة الباحة مسرح هائل اخذ شكلا نصف دائري فتانا ,وقفت أمام حضور معدود ما هم إلاّ هياكل عظمية حية, بدأت مسرحيتي وكأني ممثل قدير , نطقت الإيماءات من راسي إلى أخمص قدمي, كنت احمل بين يدي حمامة بيضاء, رفعتها صوب عين الشمس, أفردت يدي إلى الأعلى لأعلن الحرية عليها وعلى من يهجع في الأقفاص تحت هذا الضياء البهي,إلاّ أن السحب السود التي هجمت صوب الشمس أعلنت حربها الباردة, بدا التذمر والأسى جليا على الأخوة المتهيكلين لما عانوه إلاّ أني فرحت كثيرا لأني سبقت تلك الغيوم لما أفردت, بعدها بقيت أدور وأدور إلى أن فعلت زوبعة كبيرة بدوراني هذا اتجهت لأعالي السماء معلنة حربها الحرور ضد آلهة الظلام وضد الأصوات والأشياء التي تحرمنا ضياء الشمس لأنها آلهة, وبعد انقشاع الغمام سقط ضوء الشمس متلألئا دخل في كل جوف المسرح وفي داخلنا, في تلك اللحظة سكنت جوارحي كلها، تقرفصت هنيهة عند باب الدخول إلى المسرح, كان البرنس معلّقا عند ذلك الباب, انتشلته بحركة سريعة دون أن يشعر بأخذه الصحبة الحضور, وضعته فوق راسي، على الرغم من ذلك اليوم الرّمض, بدأت مسرحتي بالبرد القارس الذي تلبسني, وكانت ريح صرصر قد فعلت فعلتها فغزت مسرحي وبلادي , ومسرحي هو بلادي, فتعسا لذاك الماضي القريب الذي أزعجني, وتعسا لتلك الريح, نهضت الهياكل مصفقة لي بقعقعة العظام ثم انسلت الهياكل إلى المسرح بهدوء جنائزي صامت حد اللعنة واحدا إثر واحدا وبرتل عسكري مهيب, كان قائد الهياكل المتجهمة مارشالا يسير بخطى وئيدة واضعا على جمجمته ما يشبه الخوذة وعلى عظام صدره قطعة صغيرة من القماش الملون, وتطير وراءه بقايا برنس تعلّق أعلاه بعظام أكتافه المنجمة, ولم يكن حذاؤه سوى خيوط جلدية متشابكة, اعتلى منصة قريبة والهياكل تتحرك بتناسق تام وبهدوء اخرس, بدأت المسرحية الصامتة الحزينة والعريقة في القدم, كان قائدهم بإيماءاته الجنونية يحكي قصة ذلك الهجوم الذي رأيت, وكانوا كذلك معصوبي الرؤوس بتلك الأشرطة الحمر, كانت حركاته دقيقة جدا لما يعبّر, نهضت الهياكل رافعه سيوفها وكانوا متراصين, وبعد هنيهة اخذوا شكلا دائريا فاغمسوا سيوفهم بطست فيه دماء, بعدها رفعوا سيوفهم تجاه ملكهم الأغريقي ليعلنوا ولاءهم , وفي أثناء العرض المبهم عرفت احدهم من كسر في عظم ترقوته, أكثرت من التحديق فيه فانتبه وهو في حومة العرض الذي ما أن انتهى حتى رمقني الذي عرفته بعينين متسائلتين قائلا: _أيها الشاب الحي.كيف أتيت إلى مسرحنا الأغريقي هذا؟أجبته: _محض مصادفة ,قال: _ما أجملها من مصادفة, لأني خلتك من الأحياء، فكيف وأنت معنا وبهذا الزّي الغريب الأنيق, (يخرج من تجهمه السابق يضحك ولا يأبه لإشارة مارشاله الغاضب)دعني يا صاح اضحك ملء فمي لأني سأولد من جديد وفي عالم آخر يعج بالضجيج والتماري والغلو, فرغم الفراغ سأولد في زمن تكون فيه الحرائر إماء، والسرقات تكثر وفي جميع الاتجاهات,أولها الثقافية وآخرها القانونية, سأولد أيها الشاب في زمن أباء يبيعون أبناءهم, ينجبونهم ليحرمونهم طفولتهم فتراهم في الأسواق يبيعون أكياسا وفي المزابل يبحثون عن اللدائن إلى أن ينحرفوا,سأولد في مشقة عند المخاض وسأعيش الشقاء وأموت شقيا, سأولد وأرى الذي لم تره عيناي ولم تسمع به أذناي وسأستنشق روائح غير التي شممتها وسأعرف نساء كثيرات وأمارس كل الطقوس الصامتة التي حرمت منها في زمن ما, تقدم إلي المارشال المحتد ثم قبض على زندي بيديه العظميتين,فتحت عيني قليلا فإذا بالطبيب ماسكا بيد عظيمة رسغي ليعرف دقات قلبي الذي مزقته سكاكين زمن متهرئ, وأمي التي أرضعتني الحنان خالصا أرى نهرا من الدموع يجري من تحت نظّارتها السميكة تبكي وتقول: _حمدا لله على سلامتك بني,عندها تمنيت لو استمر المخدر وقتا أطول لأعرف ماذا ستكون عقوبة السيد المارشال لي,ترى ماذا كانت عقوبته لي؟لا أعرف البتة ولكن اعرفه في حلم صامت آخر.
بدأت الآلام تجتاح جسدي المنهك بعدما غادرني المخدر والذي كان له الفضل الكبير حين أخذني إلى عالم صامت مع كائنات عظمية ,لحظتها تمنيت لو لم استفيق من نومي ,آه اشتد الألم ثانية كأنّ أحشائي تريد الهروب من بطني ,حاولت أن اصبّر روحي, دون جدوى وعبثا كانت محاولاتي تذهب سدى وأمي واقفة والألم يعتصرها حزنا عليّ,نادت الطبيب المعالج قائلة:
_أرجو أن تسعف ولدي مما يعاني فأجابها:
_لا تخافي ولا تحزني عليه, سأعطيه حالا بعض المهدئات وسوف ينام مليا وتذهب كل آلامه,
وأنا بين الألم وبين وخز(النيدلات)المزعجة إلا أني استسلمت لنوم هانئ مودعا ألمي وقلقي, رأيتني المارشال واقفا منتصبا حانقا عليّ بنظرات تهكمية , يراد منها أنزال عقوبة ما,ولا اعرف سرّ تجهمه,أحسست بجبروته المستبد العظمة الذي تملكه من زمن بعيد والذي لا يفارقه, قلت ألا يكون ذا رحمة عليّ, ترى ماذا ستكون عقوبته؟بدا القلق ينتابني بين فينة وأخرى أأعدم؟أم اسجن؟أم ماذا؟.
تقدم نحوي بخطى وئيدة وأدار ظهره إلي بإيماءآت لبقية الدوقات والنبلاء, بدأوا بتشكيل محكمة داخل المسرح وبعد المشاورات والأخذ والرد وطرح أسألتهم ثم بعد المداولة صدر الحكم فقال المارشال:
_هل تذكر عقوبة النبي سليمان إلى هدهده؟الذي قال له سأعاقبك واضعك بين قوم لا تفقههم ولا يفقهونك فكذلك أنت,هذا مصير من يتآمر على ملكي وسلطاني.
وأنا أرى حركاته الشامخة والفارغة كادت الأرض تميد من تحت أقدامي حاولت أن اكسر عظامه المتلاشية لما اصدر بحقي إلا أن جنوده وحراسه قيدوني بسلاسل عظمية ديناصورية,بدأوا بقرع طبول صامته وأمروني بالحركة، نظر إليّ ذلك الذي عرفته من كسر عظم الترقوة فأشاح بوجهه عني خوفا على نفسه وقد تكون عقوبته أقسى من عقوبتي, فلا أعرف كيف يفكر الملوك حين يصدرون عقوباتهم الغريبة حد اللعنة, كنت أفكر أي قوم هؤلاء، حتما سأتعامل معهم ولكن كيف؟إن كانوا لا يفقهون قولي ولا افقه قولهم,قد تكون الايماءآت هي الوسيلة الوحيدة بيننا,ولكن أين ومتى سأصل إلى هؤلاء الغرباء؟لا أعرف ولا استطيع أن أخمّن ولكن سأتفاجأ، اللعنة عليك أيها الملك الأغريقي كيف وضعتني في هذه المصيبة ؟وأنا في طريقي إلى القبو المظلم الذي كان ينتظرني مفروغا من الصبر وكأني سأكون له صاحبا ويكون لي وليا حميما وكانّ القبو يتمنى من يدخل إليه ويجلس فيه ويحتك بجدرانه الأزلية,وكذا سمعت أنينا يخرج من بين شقوق الجدران وأصوات لمجموعة سياط تهوي على أجساد لم أرها ولكن خيل إليّ بأنها حيوانات منقرضة ,فتح الحرّاس مزلاج باب القبو وأوقفوني أمام الباب فأتتني ركلة بظهري أوقعتني على سلم فتدحرجت لأسفل القبو فاقدا الوعي ,رأيتني جبالا منحوتة بأشكال آدمية وأخرى حيوانيه ورأيتني طيورا غريبة لها رؤوسا بشرية وأرجل كأرجل الأسود هبطت نحوي لتفترسني مبرزة مخالبها وترفعني من أسفل الوادي إلى قمم الجبال المنحوتة ,رفعت سيفي لأبعد خطرها عني , ضربت طيرا انقلب إلى امرأة جميلة توالت ضرباتي وتوالت النساء الواحدة تلو الأخرى، بدانّ باحتضاني وتمسيد جسدي فأدخلنني في بركة صافية عذبة المياه وبدان بتراشق الماء وأنا أرنو لأثدائهن المتكورة كقمم الجبال الشامخة، وقدودهن المتميسة كأطوال النخيل الباسقآت, لقد منحنني كل الطقوس المشاعة, فذهبنا لتلك البركة للغسل، رشقنني بقطرات الماء على وجهي الذي أصبح أكثر نضارة مما كان عليه,استيقظت فإذا بالقبو ينزّ سقفه لعنة كل قطرة ماء سقطت على وجهي الذي تحسسته بأناملي فعرفت بأنه نضر ومكتنز بقوته كسابق عهده تحوطه تجعّدآت وخطوط وهمية, كان حلما ليس كبقية أحلام, نهضت أتفحص الجدران شاهدت قطعة قماش معلقة على الحائط ,أزحتها فإذا بنور وهّاج ينبعث من شباك كبير ,حاولت التشبث فمسكت الشباك,سحبت جسدي إلى الأعلى ,شاهدت بحرا متلاطما, عرفت أني في منفى, كانت الأيام تمر ثقالا, والحزن يدب بيّ شيئا فشيئا وبين تلاطم الأمواج الهائجة وبين الحزن المنكب بقلبي وبقعقعة المفاتيح, فتح الباب وكان له صريرا مزعجا من صدا السنين المتراكمة عليه، نزل احدهم فكّ وثاقيّ وساقني إلى سطح القبو , وضع في كلتا يديّ جنح كبير, قفزت من سطح القبو فحرك يديه ملوحا لي بالوداع بعد أن عرفت أن المارشال قد لقي حتفه بثورة كبيرة من الهياكل العظمية، وأنا في طيراني هذا فإذا بريح عاتية تكسر احد جناحي, بدأت بالتخاذل حتى سقطت، ثم أحسست بألم في بطني, استيقظت مرعوبا وفي الوقت ذاته مسرورا لأني عرفت عقوبة المارشال لي وعرفت بان جبروته انتهى.

أضف تعليقاً