تسللت ليلا إلى حجرتها وكان نور مصباحها خافت وعمدا تركت لي شباك النافذة مفتوحا لعلمها المسبق أنني قادم إليها لا محالة لأنها هي أيضا كانت راغبة في ذلك ولأنه من غير المعقول أن نبقى هكذا ….
لقد أدركت ذلك جيدا منذ زمن بعيد وعندما كنت أقودها للمزرعة وأظل أرقب خطواتها الساحرة وأتابع حركاتها المغرية الجذابة ورقصاتها وتمايلها وسط أزهار الحقل ووروده واختفائها في ذهابها ومجيئها بين أشجار البستان ورياضه مترقبة قدومي لأنها كانت تشعر بي وتحس أنني كنت أتبعها وأتحين الفرص لرؤيتها وإرواء شغف غليلي بها ولهفة إلى الإكتحال بالنظر إليها والتلذذ والتمتع بسحر خيالها أثناء غدوها ورواحها….
كانت تشغل خاطري أسئلة كثيرة و إستفهامات حول تنامي وتطور علاقتنا ….إذ كيف لإنسان أن تربطه علاقة حب بحيوان…..؟ وكيف لنا أن نعيش لحظات هذا الحب ونحيا به ونستلذ ونستمتع بأيامه ….؟ وهل ستكون خاتمته نهاية تجمعنا أم أنها سوف تفرقنا إلى الأبد….؟
إلى أن جاء اليوم الذي تسللت فيه خلسة إلى غرفتها وبرغبتها إذ كانت بين النائمة والواقفة مثنية قوائمها الأربع كان سحرها وجمالها قد فاقا كل الحدود وتجاوزا جميع معاني الحسن والإغراء …جعلت أنظر إليها بكل اندهاش وتعجب متأملا عيناها السوداوين النصف مغمضتين فخلتهما تدعواني للإقتراب منها أكثر فأكثر كنت أخشى عدم صدق ظنوني بها ولأجل ذلك فضلت الترقب و التختل من بعيد مخافة أن تحس أو تشعر بصوت خطواتي فأفزعها وأقضها من مضجعها ورقدتها المصطنعة……
دقات قلبي تزداد اضطرابا وخفقانا وأسئلة الحيرة والذهول تنتابني وتتجاذب خاطري …هل تراني نائم أم أنني يقظان ……؟ وهل أنا في حلم ….؟أم أن ما أراه أمامي واقع لا غرابة فيه وحقيقة لا وجود لظل الخيال في ساحتها ….؟
إذ كيف لحيوان بري أن يتواجد حبيسا في غرفة ذات أربع جدران ….؟
منمقة ومزينة شراشف ستارة نافذتها بأجمل الألوان ..ويتمدد على سرير وثير …وله أغطية و أفرشة ووسائد من أرفع وأجمل أنواع الحرير….إن هذا لمن عجائب الخيال وغرائب الصدف…..
وبينما أنا كذلك غارق وتائه في أسئلتي وإذا بي ألمحها تسترق النظر إلي خلسة ودونما تحرك أو اهتزاز لجسدها الغض الطري….
فيا لهفتي وحيرتي ماذا عساني أفعل معها….؟
تراني هل أقترب منها….؟أم أعود أدراجي…. إلى الوراء ؟
لكن فضولي ورغبتي اللامتناهيان في معرفة المزيد لم يتركاني ….ودفعاني إلى الأمام وأججا في باطني بعض بقايا حمم الشجاعة والإقدام الممزوجان ببرودة الخوف والحذر من المجهول…
بدأت في إرسال خطايا المتضاربة نحوها بخفي حنين خشية إزعاجها أو إشعارها بقدومي نحوها فاسحا المجال للهفة قلبينا واشتهائهما المتخفي حتى عن نفسينا المتناكرتين كان كل هذا بيني وبين نفسي دون أن أغفل عن استراق نظري إلى جسدها الرائع الممدد أمامي والشكوك تراودني حول حجم هذا الغزال ووداعته واستئناسه بي …فرغم ما على أجسادنا من اختلاف وما يسود ذواتنا من تباعد غير أن أرواحنا تبدوا وكأنها على معرفة أزلية ببعضها البعض …
آه لقد انتصف الليل ودخلنا في الهجيع الأخير منه وبدت أجندة ظلمته تغشانا بصمتها وهدوئها وتلفنا برداء التوحد والتخفي عن أعين الساهرين .فلا أحد الآن سوف يكتشف خلوتنا غير مصباح الغرفة ذوالنور الخافت الباهت الرومانسي الضئيل …المنعكس على جسدها المسجى والمطروح أمام رجل يحترف كل فنون السطو على غرف الحسان عندما يستسلمن لنومهن الثقيل …وما عدت أسمع غير دقات قلبينا وهما يتبادلان رسائل الشوق ودعوات القبول ..وهما يفكان شفرات الرغبة والإشتهاء ويفسران طلاسمهما و جداولهما بين بعضهما البعض ولم يعد يفصل بيننا سوى ملمترات قليلة تلفها زوابع وعواصف أنفاسنا المشتهية للمزيد من القرب والإندماج والراغبة في ارتشاف كؤوس العناق واحتساء أقوى جرعات التقبيل…
يا إلاهي كيف لي أن ألاطفها وأداعبها….؟
وكيف لي أن أضاجعها وأخترق كل أسوار المستحيل …؟
أأحيل نفسي غزالا ذكرا ….؟ أم أحيلها إلى إمراة أنثى….؟
وما أنا بساحر ولا دراية لي بفنون الشعوذة وما مارست الكهانة والتدجيل……ولا أتقن شيئا من فنون الخداع والتضليل….
والليل يعد آخر ساعاته وينذر بالرحيل …ولم يبقى لي من الوقت إلا النزر القليل ….
فما لبثت أن فردت ساقيها كاشفة عن ضرع ما رأيت أ روع منه جمالا ولا أحسن منه حسنا في حياتي قط كان بياضه الثلجي يسلب مني البصر ويزيد نور الغرفة تلألأ وسطوعا …
فسبحان من أبدعه وصوره فأحسن خلقه وتصويره ولا فرق يذكر بينه وبين ما عند النساء من مفاتن ونهود…
فبدأ العرق يتصبب من جبيني من شدة الفرق و كان الخوف قد أخذ مني مأخذه وأدركت حتما أنني وقعت في أسر إحدى بنات الجن وازداد فزعي عندما همست في أذني بصوت نسائي لم أعهد له حلاوة ولا عذوبة من قبل…أقضم حلماتي يقطر في فمك شهدي حتى تصير غزالا ذكرا يا صديقي اللص الوديع….
فكرت في الهرب ففرت رجلايا عني وما عدت أستطيع حراكا …ولا قويت على التمنع من شدة سكرات الخوف وسلطان الفزع ولم أشعر إلا بلساني يمتد نحوها وما إن كدت ألمسها حتى صعقتني صعقة
ما ذقت مثلها في حياتي ..
وما إن فتحت عيني حتى وجدت جلد الغزال طريحا أمامي وقد خرجت منه فاتنة من أروع ما وقع عليها بصري من الحسان….
وأخذت تهدئ من روعي قائلة لا تخف يا حبيبي…
فأنا إنسية مثلك وقعت في حبك مثلما وقعت في حبي
وما وجدت سلاحا يحفظ علاقة حبنا ويرد عنها كيد الكائدين ويطرد أعين الحاسدين والوشاة غير هذا الجلد….ولولاه لما كنا هكذا و لا ذقنا حلاوة اللقاء معا دون أن يشعر بنا أحد…..

أضف تعليقاً